تحاليل وآراء

صحيفة "المستقبل"، 26 جويلية 2007

بن علي يعلن إجراءات لدعم المكاسب السياسية والاقتصادية في الذكرى الـ50 لإعلان الجمهورية

الوطنية التونسية تحمي تونس من أزمات المنطقة والابتعاد عن سياسة المحاور توفر فرصاً لنمو داخلي متصاعد 

تونس ـ جورج بكاسيني

أي زائر لتونس يتكوّن لديه انطباع سريع ومباشر مفاده أن هذه الجمهورية بعيدة تماماً من أزمات المنطقة وتداعياتها على الرغم من التزامها الواضح قضايا هذه المنطقة، الرئيسية وفي مقدّمها القضية الفلسطينية.
وإذا كان موقع تونس الجغرافي يمثّل سبباً رئيسياً من أسباب هذا الاستقرار الداخلي، بفعل بُعد المسافة من مصادر الأزمات، فإن إدارة رئيسها زين العابدين بن علي المتوازنة للسياسة الخارجية بعيداً من سياسة المحاور، معطوفة على وطنية تونسية ملحوظة، وفّرتا نمواً اقتصادياً واجتماعياً متصاعداً.
هذه الصورة أظهرها بوضوح خطاب الرئيس بن علي أمس لمناسبة الذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية، الذي عَلَت فيه الأولويات الوطنية الداخلية فوق أي اعتبار، مع التأكيد على ثوابت الشرعية الدولية وفي مقدّمها "نبذ الإرهاب"، الذي تخلو منه تونس بخلاف معظم الدول العربية، تماماً كما تخلو من أي صراع له صلة بصراعات المنطقة.
وربما لهذا السبب يمكن الوقوف، من خلال هذا الخطاب، على أرقام تكاد تكون خيالية من حيث الاستقرار الاجتماعي، مثل بلوغ الطبقة الوسطى في المجتمع التونسي نحو 80%، أي انخفاض نسبة الفقر الى 3.8% أو تملك أكثر من 80% من التونسيين منازلهم، وصولاً الى تقلّص نسبة الأمية من 85% في بداية الاستقلال، الى ما دون20% اليوم. ناهيك عن الاهتمام الاستثنائي والمتواصل بحقوق المرأة وبالإصلاح وبالحريات: "فلا مجال للحزب الواحد أو للرأي الواحد".
أما اللافت أكثرَ فأكثر، وربما يمكن تصنيفه في خانة السوابق في الأنظمة العربية، فهو تقدير الرئيس الخلف للرئيس السلف برغم الحلول مكانه من خلال تحية "الإكبار الى جيل البناة الذي ركّز أسس الجمهورية وفي مقدّمهم الزعيم الحبيب بورقيبة، رئيس الجمهورية التونسية الأول".
وفي هذا الاطار، قال بن علي "إنها مناسبة نعرب فيها عن وفائنا لأرواح الشهداء وتقديرنا لأولئك الرواد الوطنيين الذين زرعوا في شعبنا بذور الوعي الوطني، ونظموا صفوفه، ليخوض معارك التحرير والتحرر، ونتوجه بمشاعر الإكبار الى جيل البناة الذي ركز أسس الجمهورية، وأقام بناءها وفي مقدمهم الزعيم الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسية".
ولفت الى ان " إرساء النظام الجمهوري وإنجاز المشروع الثقافي التحديثي جعلا تونس بلداً عصرياً حرياً بأن يواصل مساره بثبات على درب التقدم والبناء"، لافتا ايضا الى انه "تم الزيغ بالنظام الجمهوري بإعلان الرئاسة مدى الحياة وإقرار الخلافة الآلية التي لا دخل للشعب فيها، وبذلك مرت البلاد بمرحلة من عدم الاستقرار هددت مكاسب الجمهورية ومنجزاتها بالتراجع والتلاشي".
ورأى بن علي ان "تحول السابع من نوفمبر كان مشروعاً حضارياً استلهمنا جذوره ومبادئه من حركة الإصلاح ومن مسيرة الحركة الوطنية ومن طموحات شباب تونس وسائر قوى شعبنا الحية".
وتحدّث بن علي عن تعديل الدستور في العام 2002 والذي كانت "من أهم الإضافات التي جاء بها، اعلان ضمان الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها. فالحقوق المدنية والسياسية لا تكتمل إذا لم تقترن بتأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوق الأخرى من الأجيال اللاحقة".

 

 

 

 


وشدد على ان "إقامة الجمهورية على مبدأ التعددية هو خيار جوهري من خيارات التغيير" وان ذلك "يعني تعدد الأحزاب والتنظيمات الشعبية والجمعيات ومختلف مكونات المجتمع المدني، كما يعني التعددية الفكرية والاختلاف في الرأي والاجتهاد"، معتبراً ان "إدراج مبدأ التعددية في الدستور من شروط ترسيخ الديموقراطية، فلا مجال للحزب الواحد أو للرأي الواحد".
واوضح ان "ما تحقق من مكاسب ومنجزات على امتداد خمسين سنة من قيام النظام الجمهوري، غيّر وجه الحياة تغييرا جذريا في أنحاء البلاد كلها بمدنها وقراها وأريافها على السواء"، مشيراً الى ان متوسط الدخل الفردي "ارتفع الى أربعة آلاف دينار، وانخفضت نسبة الفقر الى 3.8 في المئة مما أسهم في توسيع الطبقة الوسطى في المجتمع التونسي لتبلغ نحو80 في المئة، وارتفع أمل الحياة عند الولادة الى 74 عاما".
وقال بن علي "إن المجهود الذي سيتم بذله في مجال البنية الأساسية سيشمل كل القطاعات والجهات بما يخدم أولوياتنا الوطنية وفي مقدمها الرفع من فرص التشغيل ودفع الاستثمار وإحداث المؤسسات وتنشيط التصدير".
وكان للمرأة التونسية نصيب مهم في خطاب الرئيس بن علي، إذ قال "إن من مفاخر نظامنا الجمهوري ما بلغته المرأة التونسية من مكانة رفيعة في الأسرة والمجتمع، ارتقت بها من مرتبة المساواة الى مرتبة الشراكة التامة"، وان "المرأة التونسية اليوم عنوان حداثة وضمان أصالة لشعبنا وركن من أركان الجمهورية حيث لا يكتمل مفهوم المواطنة من دون مواطنة المرأة".
ورأى بن علي ان "الامتياز صار شرطاً ضرورياً لكل شعب يريد أن يكون له موقع في هذا العالم المتغير الذي اكتسحته العولمة وجعلت منه قرية كونية لا تكون الغلبة فيها إلا للأجدر، ولذا ينبغي لنا استغلال ما تتيحه العولمة من فرص، واحتواء انعكاساتها السلبية".
واكد ان تونس قادرة على رفع التحديات واللحاق بمصافّ الدول المتقدمة "ولاسيما أن تقدم البلدان لا يقاس اليوم بعدد سكانها ولا بوفرة مواردها الطبيعية ولا بامتداد مساحاتها، بل بذكاء شعوبها وتحكمها في ناصية المعارف الحديثة وانقطاعها الى العمل والكد، وتوقها الدائم الى الأفضل والأرقى".
ورأى ايضا ان "الاحتفال بالذكرى الخمسين لعيد الجمهورية ما هو إلا محطة بارزة في اتجاه تعميق منظومة الإصلاح والتطوير والتحديث التي أسّسنا عليها مشروعنا الحضاري".