صحيفة "الشرق"، 25 جويلية 2007
النظام الجمهوري في تونس ثورة القيم الهادئة
بقلم الدكتور صلاح الدين بوجاه (رئيس اتحاد الكتاب التونسيين )
إن الاحتفاء بالذكرى الخمسين لعيد الجمهورية التونسية لا يعدو ان يكون استحضاراً لمنظومة قيم متولدة عن حدثين مهمين في تاريخ تونس المعاصرة، حدث إلغاء الملكية، ثم حدث تغيير السابع من نوفمبر. لهذا فمن اليسير ان نعلن ان ذكرى الجمهورية تمثل ثورة قيم هادئة موصولة بالتحوّل الكبير الذي افتتحه الرئيس زين العابدين بن علي سنة 1987.
وعليه فان سنوات 1957 و1987 و2007 تبقى راسخة في ذهن المطلعين على تاريخ هذه البلاد على اعتبار ان هذه السنوات ترمز الى الحركية، واسترجاع السيادة الوطنية، وتثبيت مبدأ الوسطية والاعتدال، ونشر الديموقراطية، واحترام حقوق الانسان، وتكريس مبادئ حرية المرأة، وربطها بحرية الاسرة وتوازنها، والإقرار بضرورة نشر التعليم على أوسع نطاق، والحدّ من النسل، والتوق الى مجتمع المعرفة، وتثبيت قيم التقدم والرقي والحداثة.
ولا نشك في ان هذه المنظومة من المبادئ لم تنبثق طفرة واحدة من رحم التاريخ، إنما نبعث بالتدرّج منذ انتشار الحركات الاصلاحية في منتصف القرن التاسع عشر، حتى ظهور الصحف والمجلات في تونس مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وانبثاق حركة النضال الوطني مع الثعالبي وبورقيبة وعلي بلهوان.
بيد ان تكريس قيم الجمهورية التي بدت منسجمة مع اصولها القريبة والبعيدة، لم تتأكد إلا بداية من سنة 1987. فلقد أثبتت النخب التونسية في عهد السابع من نوفمبر ايمانها بالحداثة، وسعيها الى تكريس الديموقراطية المنسجمة مع روح الاعتدال والوسطية، وأعلت من شأن حقوق الانسان، وجعلت منها حجر الزاوية، في البناء الشاهق الذي تشيده بالتدرّج انطلاقاً من دعم دولة القانون والمؤسسات وتثبيت السيادة الوطنية والإلحاح على قيمة الوطن والمواطنة، وهي بلا ريب قطب الرحى في الجدل النظري والإجرائي الذي انتشر بين الفئات المثقفة، وشاع بين الجميع على اختلاف الجهات والأجيال والفئات.
فتونس التي أبطلت الرق منذ منتصف القرن التاسع عشر والتي ناضلت في سبيل مقاومة الحماية الفرنسية من دون رفض للقيم الحضارية الحديثة، قد تمكنت من استحداث معادلة متوازنة تحمي للتونسي وجوده الحديث وتسمح له بان يحتفظ بهويته، وتمكنه من الاندراج الذكي في قلب الحداثة والحراك الاجتماعي والحضاري المعاصر.
فتونس ليست من الشرق، وتونس ليست من الغرب على حد ما أثبته طه حسين بالنسبة الى مصر، فهي نسيج وحدها في الجمع بين عناصر الشرق والغرب في تركيبة فريدة هي تركيبة المواطن التونسي، الذي اسهم في بناء الحضارة القديمة في صلب المتوسط ويسهم اليوم من دون عقد بكل اقتدار في بلورة النجاحات الجديدة للحضارة الحديثة.
بهذا الإدراك المتحرك لقيم الجمهورية نفهم الدور الأساسي الذي لعبه تحوّل 7 نوفمبر 1987 في إنقاذ الجمهورية وإرساء قيمها، والسير بها نحو بداية الالفية الثالثة التي نرجو جميعاً ان تكون طوراً متقدماً جداً من أطوار المشاركة واستحثاث الصعود نحو منزلة أفضل بالنسبة الى بلد لا تفصله عن التقدّم إلا جهود يسيرة ليست بالمستحيلة.
إن التلازم بين قيم الجمهورية ومبادئ الثورة الهادئة التي تولدت في نهاية الثمانينات، قد مكن هذه البلاد الصغيرة من المحافظة على توازنها الكبير الذي يخدم دورها الأكبر في صلب المتوسط مستقبلاً.
فالخيارات الوطنية والعالمية النابعة من الجمهورية والتغيير والحداثة قد رسخت لدى جميع التونسيين فكرة المستقبل مما يتماشى مع مفاهيم الشراكة الذكية ذات الأبعاد الحضارية الشاملة مع غرب منفتح متوازن يعتبر الضفة الجنوبية جزءاً اصيلاً من الكيان المستقبلي الجامع بين دول ذات تاريخ واحد وثقافات متقاربة ذات مستقبل واحد. إن الجمع بين قيم الجمهورية وبيان 7 من نوفمبر 1987، مع ما تعنيه من مفاهيم الحداثة والسيادة الوطنية والإيمان بالانسان لا يجعل من بلدان الضفة الجنوبية حدوداً تحمي اوروبا من الهجمات غير المنظمة انما يهدف الى جعل هذه البلدان مشاركة في بناء الحضارة مسهمة في الانتفاع بثمارها، عاملة على إرساء توازنها.
ويعنينا ان نؤكد التلازم بين أحداث سنوات 1957 و1987 و2007 والمستقبل. ان جمهورية الغد بهذا المعنى، والتي يسهم في ابتداعها كل أبناء تونس هي القادرة على استدراج كل هذه المفاهيم حتى تمكنها من ان تكون ذات اثر واضح في بنية التفكير، والخيارات السياسية والقيم الثقافية. إذ لا ينبغي ان نسهو عن تلك الفكرة البسيطة القاضية بأن الحدث الحضاري حدث شامل او لا يكون.
ولا نشك في ان معنى الشمول هو الذي يسمح لنا برؤية اسس الاحداث والآليات الخلفية المؤثرة فيها، في تشابكها الواقعي لا يرفض المخيال انما يجعل منه محركاً رئيساً من محركات صنع الغد، وهل الثقافة عموماً بجميع عناصرها إلا من قبيل هذا المخيال؟




