تحاليل وآراء

صحيفة "المستقبل"، 25 جويلية 2007

تونس.. من جمهورية الاستقلال الى جمهورية الغد

نزيهة البصلي زروق (*)

تحتفل تونس بالذكرى الخمسين لإعلان النظام الجمهوري، ويحق لها أن تعتز بهذه الذكرى بوصفها منعطفاً حاسماً في التاريخ الحديث للبلاد كرس معاني السيادة الوطنية والإرادة الحرة للتونسيين، في سبيل الانعتاق من الهيمنة الأجنبية وتخليص البلاد من الحكم المطلق.
ومن هذا المنطلق فإن إعلان الجمهورية سنة 1957، مثّل منعطفاً تاريخياً ومكسباً تاريخياً تحرّرت به إرادة الشعب التونسي واستكمل به سيادته ليتحرر من الحكم المطلق بعد أن تحرر من الاستعمار، بما يعزز طموحات الشعب التونسي ويؤمّن للبلاد المزيد من أسباب المناعة والتقدم.
وإن احتفال تونس هذا العام بمرور خمسين سنة على إعلان الجمهورية يعتبر احتفالاً ذا طابع مميّز بالرجوع الى نوعية الإنجازات المحققة لا سيما بعد تحول السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1987 وهو احتفال يغمر الشعب التونسي بمشاعر الاعتزاز والفخر في ظل مسار إصلاحي لم يتنكر لما تحقق على يد المناضلين عام 1956 ولم يعش بمعزل عن مستجدات العالم الحديث.
لقد حرصت دولة ـ التغيير ـ على إكساب الجمهورية ومن منطلق الوفاء للشعب وللوطن كل أبعادها بوضع البلاد على طريق التحديث السياسي والحضاري الشامل، عبر دعم مؤسسات الجمهورية وإثرائها وفقاً لمتطلّبات كل مرحلة من تطوّر المجتمع.
وتتنزل ضمن هذا التمشي الإصلاحات السياسية المتلاحقة التي أقرها سيادة الرئيس زين العابدين بن علي على درب إرساء دولة القانون والمؤسسات وإقامة قاعدة متينة للديموقراطية والتعددية وحماية حقوق الإنسان وفسح مجالات المبادرة والمشاركة في الشأن العام أمام مختلف القوى الحية للبلاد.
فقد بادر رئيس الجمهورية منذ التحول الى تنقية الدستور من الشوائب التي علقت به بأن ألغى الفصل الذي ينصّ على الرئاسة مدى الحياة وعمل على تكريس استقلالية جهاز القضاء باعتباره من دعائم النظام الجمهوري.
كما بادر بإحداث المجلس الدستوري تأكيداً للإرادة السياسية في ضمان توافق كل النصوص القانونية والتشريعية مع نص الدستور وروحه وفلسفته.
ويعتبر التنقيح الجوهري للدستور الذي صادق عليه الشعب التونسي في أول استفتاء في 24 أيار/ مايو 2002 إضافة هامة ونوعية على طريق الإصلاح والتأسيس لجمهورية الغد لا سيما من خلال فتح مجالات أرحب للمشاركة وتمثيل الشعب ودعم المؤسسات التشريعية الوطنية بإحداث مجلس المستشارين وتعديل نظام الانتخابات الرئاسية باتجاه تكريس خيار التعددية على هذا الصعيد علاوة على إدراج مبادئ حقوق الإنسان والتضامن والولاء للوطن في نص الدستور تشديداً على إلزامية احترامها من قبل الجميع سلطات عمومية ومجتمعاً مدنياً ومواطنين.
لقد أراد سيادة الرئيس زين العابدين بن علي من خلال الإصلاح الدستوري لسنة 2002، إعطاء نفس جديد للنظام الجمهوري المطالب بمواكبة تطور المجتمع، نفس يعبّد الطريق لجمهورية الغد من دون الخروج عن دستور 1 حزيران/ يونيو 1959 بل تدعيمه وصون مقوماته وتطويره.
كما تجلى هذا التوجه في تنقيح المجلة الانتخابية واعتماد نظام المراجعة المستمرة للقائمات وتقليص عدد المكاتب الانتخابية وتيسير تعددية الترشحات لرئاسة الجمهورية.
ولعل من أهم المميزات الأساسية لتدعيم اركان النظام الجمهوري السهر على ضمان تكافؤ الفرص بالنسبة للجميع والعمل على تحقيق توازن جهوي يوفر افضل الحظوظ للنهوض بمختلف جهات الجمهورية وكذلك في مختلف المجالات الاجتماعية وفي ميادين التعليم وتفعيل مشاركة المرأة في جميع المستويات.
ان هذه الرؤية الشمولية في الاصلاح والتحديث التي تستند الى دفع المسيرة التنموية وترسيخ انخراط البلاد في مجتمع المعرفة والثورة التكنولوجية والاتصالية وتوسيع فضاءات التفكير والحوار وتنويع صيغ الاستشارة والمشاركة في الحياة العامة تعد من دعامات النظام الجمهورية.
 
فمن أهم مكاسب الجمهورية في تونس التوجه الثابت نحو الانتقال من ثقافة الرعية التي رسخها بشكل واضح حكم البايات الى ثقافة المواطنة التي رامت الجمهورية التأسيس لها كسلوك وثقافة.
ان تجذير ثقافة المواطنة على اساس عدم انفصال قيم الجمهورية عن القيم السائدة في المخزون الثقافي للمجتمع التونسي كمجتمع صاعد يطمح الى تعميق قيم الحداثة وترسيخها في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، اصبح من الحقائق المعيشية والتي ما فتئت تتنامى عبر الحرص على ان تكتسب هذه القيم الأجيال الناشئة من خلال مختلف المؤسسات المجتمعية (الأسرة المدرسة) بدءاً من غرس حب الوطن والولاء له وممارسة الحوار وقبول المغايرة في الرأي والتسامح والاعتدال، وهي توجهات يدعمها مجتمع مدني ذو نسيج جمعياتي فاعل قادر على المشاركة والتعبير والتأثير داخل الحياة العامة في ظل مناخ ديموقراطي تعدّدي لا تنفصل فيه الديموقراطية السياسية عن الديموقراطية الاجتماعية الهادفة الى إرساء مسار تنموي شامل وعادل يطمح لتحقيق الرفاه للجميع. وهي جميعاً من مقوّمات الحكم الرشيد، القائم على قيم إنسانية سامية، كالتضامن، والحرية والمشاركة المسؤولة.
إن بلوغ مستوى البلدان المتقدمة يمثل رهان تونس الأول وإذ يحق للشعب التونسي أن يعتز ويفتخر بما تم إنجازه من مكاسب هامة في ظلّ خمسين سنة من الجمهورية وأكثر من عشرين سنة من التغيير في إطار مقاربة تنموية تتلازم فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وإذ تعد جمهورية الغد العنوان الأكبر لمرحلة جديدة وواعدة اقتحمتها تونس بكل ثقة وتفاؤل بفضل خيارات ثابتة وصائبة وتوجهات برهنت مختلف المستجدات على سدادها ونجاعتها، فإن هذه الرؤية الثاقبة للأحداث وهذه المكاسب الهامة تجعل تونس اليوم تدخل طوراً جديداً من مسيرتها التنموية، طور النقلة النوعية الشاملة تحقيقاً لمجتمع الرفاه والديموقراطية، المجتمع المتوازن والمقتدر، مجتمع المشاركة والتضامن... مجتمع الحداثة... المجتمع المتفاعل مع المتغيرات والمواكب للمستجدات، بكل كفاءة وفاعلية... فذلك هو جوهر التغيير... وتلك هي أبعاد جمهورية الغد.

(*) النائب الثاني لرئيس مجلس المستشارين وسفيرة تونس سابقاً في لبنان