صحيفة "اللواء"، 25 جويلية 2007
الجمهورية في تونس: مكاسب وطموحات
د· محمد حسين فنطر
الجمهورية في تونس جذور تنغمس في الماضي السحيق وقد تحدث الفيلسوف الاغريقي أرسطو عن النظام الجمهوري الذي عرفته قرطاج منوهاً بما يتحلى به من توازن بين السلطات وعناصر المجتمع الأرستقراطية والشعبية· لقد أفرد هذا الفيلسوف الاغريقي الشهير ضمن كتابه المخصوص للسياسة فصلاً كاملاً لدستور قرطاج وقد وصف مختلف مؤسساته ونظمه وصفاً دقيقاً مشيراً الى تركيباته وصلاحياته والدور الذي يقوم به في سنّ القوانين وتطبيقها والسهر على ادارة شؤون المجتمع في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية· وبعد دراسة عميقة تناول فيها مقارنة النظام القرطاجي بالأنظمة المعروفة في المدن الاغريقية، لم يتردد أرسطو في الاعتراف بتفوق الدستور القرطاجي · ومما نال اعجاب فيلسوف السياسة أن قرطاج، بفضل ما يؤمنه دستورها من توازن ووسطية، لم تشكُ انتفاضة ولا طغياناً· بل كانت القضايا تعالج بالتفاوض والحوار بين مختلف عناصر المجتمع في ضوء القوانين وبالإستناد اليها· فلقد نحت دستور قرطاج بحكمة فائقة ضمنت للجميع حقوقهم القيام بالواجبات ولكل مناطق نفوذ وصلاحيات محددة بعيداً عن التناقض والتطاحن ودون التخلي عن مصالح المجموعة· أما المؤسسات التي يستند اليها دستور قرطاج فهي ثلاث لكل منها اختصاصه دون أن تكون الحدود مسيكة بل قد تتداخل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية· فالتشريع من صلاحيات مجلس الشعب ومجلس الشيوخ أساساً· فلقد كان مجلس الشعب في قرطاج يسمى "عم قرت حدشت" والعبارة بونية اللغة ومعناها شعب قرطاج علماً أن لفظة عم من صميم المبادئ التي أنجبت لفظتي العامة أو العموم· وكان هذا المجلس التشريعي مفتوحاً للمواطنين القرطاجيين الذين يتمتعون بالحرية والمواطنة وهو ما يجعلهم مؤهلين للمساهمة في نحت القوانين ودرس المشاريع للمصادقة عليها أو لطرحها· فهل كان المواطنون يساهمون مساهمة فردية أو عن طريق نواب يقع انتخابهم طبقاً لشروط معينة لم يشر اليها أرسطو إشارة واضحة؟ فالأرجح أن مجلس الشعب يتكون من نواب الشعب يمثلونه ويتكلمون بإسمه ويعبرون عن مشيئته وطموحاته فلا فرق بين الاثرياء والفقراء بل يتمتعون جميعاً بنفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات· أما مجلس الشيوخ، فهو هيكل سياسي يتكون من الأعيان وهم أصحاب الثروة المادية والمعرفية ولعله كان يحمل اسم بعول قرطاج وليس قولنا هذا من باب الفرضية الاعتباطية بل يستند الى نقائش بونية تحدثت عن مدن كدقة ومكثر وكان الاعيان فيها يحملون اسم بعول· فقد أشارت تلك النصوص الى بعول دقة وبعول مكثر· وأيّا كان الامر فلمجلس الشيوخ في قرطاج لهذا المجلس دور كبير ووزن خطير· فهو الذي يرسم ملامح السياسة الداخلية والخارجية ويضع مشاريعها الاقتصادية والثقافية فلقد كان يتدخل في مختلف الميادين التشريعية والقضائية عن طريق لجان خماسية تكلف بالتحقيق في هذه القضية أو تلك داخل البلاد أو خارجها فاللجان تتولى الشؤون الدينية وأخرى تمثل قرطاج لدى بعض الدول الاخرى في بلاد الاغريق أو في روما ولمجلس الشيوخ حق التفاوض في شؤون الحرب والسلم وفي مختلف الشؤون الاخرى· فأول معاهدة أمضتها قرطاج مع روما تعود الى أواخر القرن السادس قبل ميلاد المسيح وقد حيّدت هذه المعاهدة مراراً حتى تكون بنودها متناسقة مع الظروف · فالثابت أن نظام الدولة القرطاجية كان يعتمد غرفتين تشريعيتين تتكاملان لكن نفوذ مجلس الشيوخ كان أرجح وأوسع نطاقاً ولعله أكثر التصاقاً بالملفات حضوراً في مختلف الحياة السياسية تصوراً ومتابعة· وإلى جانب المؤسستين التشريعيتين تُوكل السلطة التنفيذية الى سبطين والسبط في لغة قرطاج يعني القاضي وقد ورد ذكر الاسباط في عديد النقائش البونية· وفي العهد القديم سفر عنوانه الأسباط وهم القضاة الذين تولوا حكم بني اسرائيل قبل تأسيس الملوكية مع النبي داود وابنه سليمان الحكيم· ينتخب مجلس الشعب السبطين لسنة واحدة قابلة للتجديد ويتم الانتخاب على أساس مقاييس لم يتعرض لها أرسطو في دراسته حول دستور قرطاج ولكن المرجح أن السبط كان يترشح للخطة على أساس خبرته ووجاهته فضلاً عن حملة انتخابية تمكنه من التعريف بشخصيته وقدراته وعلاقاته الاجتماعية· فلا بد من كسب عطف المواطنين ليطمئنوا .
ويعطونه أصواتهم· يتولى السبطان السهر على تطبيق القوانين الصادرة عن المجلسين التشريعيين فيديران شؤون البلاد في مختلف مستويات الإدارة ويراقبان المسيرة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على أساس القوانين· ومن صلاحيات السبطين أنهما يترأسان اجتماعات المجلسين فهما اللذان يدعوانهما ويحضران الملفات التي ستعرض للنقاش والمصادقة ويتابعان سير الجلسات مع السهر على تسجيل المداولات والإشراف على عملية التصويت· فللسبطين دور فاعل يؤثر على سير العمل ونتيجته ولعلهما يتصلان بأعضاء المجلسين لسير الآراء ووضع خطة العمل· ومن صلاحياتهما القضاء بين الناس لكنهما يفوضان غالباً هذه المهمة الى قضاة مختصين يقع تعيينهم للقيام بها في دواوين لها مواصفاتها وصلاحياتها· فلا شك أن القضاة كانوا يحكمون على أساس قوانين ومرجعيات وفقه لم يصل الينا· فلا شك أنهم كانوا يعتمدون على مدونات تساعدهم على التحقيق وإصدار الحكم· وإلى جانب المحاكم العادية التي تتولى النظر في مختلف القضايا المدنية والجناحية أحدثت الدولة القرطاجية محكمة عليا تتركب من مائة وأربعة أعضاء تعرف بمجلس المائة ومن صلاحياتها النظر في القضايا الكبرى المتعلقة بأمن الدولة· ومن مميزات هذه المحكمة أن أعضاءها دائمون فهي التي تراقب التصرف وتحاسب المسؤولين بعد انتهاء مهامهم وقد تؤاخذهم على ما قد يصدر عنهم من تقاعس أو فساد حتى شبهت تلك المهمة بسيف مسلول على رقاب المسؤولين في الادارة والجند فالقائد مسؤول عن هزيمة جيشه والمتصرف المالي مسؤول على أموال الشعب وقد تسلط على المدانين عقوبات تصل أحياناً الى الاعدام شنقاً أو صلباً· فكان القرطاجيون يهابون تلك المحكمة حتى أصبحوا زاهدين في الاقبال على تحمل المسؤولية مما أساء لقرطاج وقضى على روح المبادرة لدى القرطاجيين فكان الانكماش وتجذرت الانانية في النفوس· فلما انتخب هنيبعل سبطاً في قرطاج بادر بشطب المحكمة العليا آملاً في اعادة الطمأنينة وثقة المواطنين في الدولة· فلا غرو أن يكون النظام الجمهوري في العقل والوجدان لدى أبناء تونس وبناتها وهم الذين ما انفكوا يناضلون في سبيل نظام أساسه البرلمان وكم طالب المناضلون الدستوريون ببعث برلمان تونسي· وهو من أهم المطالب التي نادى بها الشعب التونسي ويتجلى ذلك في اسم حزبنا العتيد الذي وإن تعددت التعابير بقى مشدوداً الى الدستور فمن الحزب الحر الدستوري الى التجمع الدستور الديمقراطي مع العلم أن مفهوم الدستور شجرة تجذرت في أرضنا منذ العهد القرطاجي· فلقد تعاقبت الاجيال والدول واللغات والسياسات وبقي الدستور والنظام الجمهوري خيطاً ناظماً قد يختفي دون أن ينعدم بل يترقب ظروفاً مؤاتية ليعود الى النور· ففي 25 جويلية 1957 عدد النظام الجمهوري لتونس التي ضحت من أجله وكللت جهودها بالنجاح· وما انفك هذا النظام يزكو ويتألق حتى أصبح من تلك المكاسب التي نذكرها وبها نتباهى· فالجمهورية التونسية التي نحتفل بمرور خمسين سنة على ميلادها أعادت للشعب التونسي، رجالاً ونساءً، عزته وكرامته وكبرياءه دون ما غرور· ومن حسن حظ تونس أن أبناءها ضمّوها الى صدورهم وما انفكوا يعملون على تطويرها وتنميتها لتكون متجذرة متأصلة مع سعي الى الحداثة والإسهام في بناء الحضارة البشرية، وكم ساهمت تونس في إثراء المتوسط وإثراء محتلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فهي قرطاج والقيروان والمهدية وتونس · فلقد ساهمت هذه الأرض المقدسة في نشر القيم الإنسانية من حب للسلم والتعايش مع الآخر مهما كانت الأعراق واللغات والمعتقدات· وهل يصح الحديث عن الجمهورية التونسية دون الإشارة الى الذين تبنوا حركة الإصلاح والحداثة دون قطيعة من الإرث التليد الى العهد الجديد· ومن أبرز وجوه الحداثة والإصلاح الرئيس بن علي ذاك أهدانا عهد السابع من نوفمبر 1987 حتى كان المنعرج الخصيب· وكم استفادت الجمهورية التونسية من روح السابع من نوفمبر حتى أصبحت كسباً للرجل والمرأة، للشباب والكهول· فهي جمهورية التغيير، تلك التي تحيط أبناءها وبناتها بعطفها وحنانها حتى أنها أم حنون لا ينضب درها ولا تفرق بين أبنائها بل تضم جميعهم الى صدرها فلا اقصاء ولا تهميش· فهي للجميع فلنكن جميعنا لها نعمل جاهدين على رفع بنودها بين الأمم· وفي الذكرى الخمسين لقيام النظام الجمهوري في تونس يحق لنا أن نتذكر بعض المكاسب التي أصبح التونسيون، رجالاً ونساء يتمتعون بها ويفخرون ومن بينها بناء المواطن الحر المؤمن بذاته الحريص علي القيام بواجباته نحو الوطن مع الدفاع على حقوقه كاملة·
ففي جمهورية اليوم والغد يعيش التونسي حياة كريمة ومن لا يفخر عندما يرى المدرسة في كل مكان مفتوحة للجميع فضلاً عن المعاهد والجامعات والكليات ومراكز البحوث العلمية والمخابر فكل عبقرية تجد المناخ المناسب لتتفتق وتينع وتساهم في اثراء المكاسب في مختلف الميادين فلتونس رجال ونساء يعملون عملاً صالحاً يستفيد منه العباد وتستفيد منه البلاد وذلك تنفيذاً لمشاريع طموحة من وحي رؤى الرئيس زين العابدين بن علي وهو الحريص على أن تكون تونس مشدودة الى قرطاج والقيروان أي على اسهامات السلف الصالح ورجال الإصلاح من مختلف العصور البونية القرطاجية والرومانية والمسيحية والعربية الإسلامية وكم ساهمت تونس في نشر قيم الديانات الابراهيمية من تسامح وتضامن وسلم وعدالة واعتراف بالآخر مع احترام خصوصياته· وقد انخرطت تونس العهد الجديد في هذه المقاربة الإنسانية حيث يكون الإنسان مقياساً لتقييم السياسات والمواقف والمشاريع ومعنى ذلك أن النظام التونسي يؤمن بالإنسان وبقدراته وبعبقريته ولا فرق بين إنسان وإنسان إلا بإيمانه بالإنسان واعترافه بحقوقه كاملة مهما كان عرقه وجنسه ولغته ودينه وقناعاته· ومعلوم أن تونس العهد الجديد لم تدخر جهداً لتوفير المناخ ووضع الاليات الكفيلة خدمة للإنسان والإنسانية وإذ قد يطول الحديث في هذا المجال سنقتصر على ذكر بعض ما تعتز به تونس اليوم من آليات سياسية واقتصادية واجتماعية لصالح الإنسان أياً كان وأينما كان· فمن لم يَنْمُ إليه حديث حول الصندوق الوطني للتضامن الذي أحدث في شهر ديسمبر 1992 وعرف باسم صندوق 26 - 26 وقد تألق ذلك الصندوق في سماء تونس واستفادت منه مختلف الفئات والجهات ولا أدل على ذلك من اقبال المواطنين والمواطنات على تمويله والعبرة في الإسهام ولو بنصف دينار· أفلم يتحول الصندوق الوطني للتضامن الى مدارس ومستشفيات وكهرباء وماء وهانف فضلاً عن المشاريع الاقتصادية والاجتماعية وأبى الرئيس بن علي إلا أن يعزز هذا الصندوق الوطني بإحداث البنك التونسي للتضامن والصندوق الوطني للتشغيل ولكليهما دور خطير في حركة تشغيل الشباب والتنمية· ومن قناعات الرئيس بن علي أن السلم في العالم لن تستب إلا بالقضاء على الفقر والجهل والمرض ولا سبيل الى الاستقرار في العالم ما دامت الهوة تتسع وتتعمق بين الشمال والجنوب· ومن هذا المنطلق تقدم الرئيس بن علي بمبادرة مضمونها احداث صندوق عالمي للتضامن وفي النداء الذي توجّه به الى الأمم المتحدة في 25 أوت 1999 بين أنّ هذا الصندوق العالمي مدعو لمساعدة البلدان الفقيرة والضعيفة في مختلف أصقاع العالم· كان ذلك وتمت المصادقة على مبادرة الرئيس بن علي من قبل الأمم المتحدة في 20 ديسمبر 2002 · كيف تبدو الجمهورية التونسية بعد الإصلاحات التي أضافها الرئيس زين العابدين بن علي؟ فجواباً عن هذا السؤال يمكن القول إن الجمهورية في تونس أصبحت ضامنة لحقوق الإنسان جميعها وقد أفردت لها فقرة بليغة في الدستور التونسي كما كرّست الجمهورية التعددية وقيم التسامح والتضامن والتعاون مع مختلف الشعوب أيّاً كانت وحيث ما كانت· ثم إنها في النص والمضمون والمفهوم تؤمن الحكم الرشيد بالاستناد الى الشعب الذي ينتخب رئيسه ويساهم في التشريع عن طريق الاستفتاء، وفي عيدها الخمسين تتجلى الجمهورية التونسية متفتحة على مختلف شرائح المجتمع عملاً بمقولة الرئيس زين العابدين بن علي "لا اقصاء ولا تهميش" تلك بعض الإضافات التي أدخلتها سياسة التغيير بوحي من الرئيس بن علي على الجمهورية التونسية في عيدها الخمسين مما به يعتز الشعب التونسي، رجالاً ونساء، وإليه يطمئن فلنعمل معاً لحماية المكاسب وتحقيق الطموحات· المشرف العام على كرسي الرئيس بن علي لحوار الحضارات والأديان ·




