الجمهورية: المبادئ والقيم
الأستاذة أحلام الضّيف،
كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس
سيدي رئيس مجلس النواب،
السادة أعضاء المجلس القومي التأسيسي،
السادة النواب،
حضرات الضيوف الكرام،
أتوجّه إليكم في هذه القاعة المثقلة بعبق التاريخ، المليئة بأنفاس المؤسسين، والتي أكاد أسمع فيها اليوم همسا يعود إلى خمسين سنة، ثم صمتا خاشعا، ثم إعلانا محولا لتاريخ البلاد ومحددا لمستقبلها: إعلان الجمهورية.
وإذ أشكر مركز البحوث والدراسات البرلمانية على هذه الفرصة النادرة، لا أخفيكم أن الموضوع الذي سأحاول تناوله مثـّل مناسبة بالنسبة لي لإعادة اكتشاف العديد من البديهيات؛ فتناول قيم ومبادئ الجمهورية يفترض تحديد معاني كلّ من هذه الألفاظ التي يشابه وقعها في الأنفس وقع الحق والخير والجمال.
تحديد معنى القيمة: الحكم القيمي هو تصور لما يجب أن يكون، وهو تصور يمثـّل مرجعا للقواعد السلوكية
والقيم في لسان العرب جمع القيمة وهي تقوم مقام الشيء، وقيمة الشيء ثمنه.
و" إذا انقاد الشيء واستمرت طريقته فقد استقام لوجهه"
و"كل من ثبت على شيء وتمسك به فهو قائم عليه"
و"قيم الأمر مقيمه وأمر قيم مستقيم"
"ذلك الدين القيم، أي المستقيم الذي لا زيغ فيه ولا ميل عن الحق"
"وقوله تعالى: "فيها كتب قيمة" أي مستقيمة تبين الحق من الباطل على استواء وبرهان"
وتكون القيم في اللغة العربية مرتبطة بالاستقامة والحق والتمسك بأمر معين وهي كلها عناصر نجد صدى لها في التعريف المعاصر للقيمة.
والقيمة فكرة نعتقد بصورة ذاتية أن لها أهمية موضوعية، حقيقية، وإن كان بعض الفلاسفة مثل أفلاطون قد اعتقدوا أنها كونية ومطلقة، فإن هناك اتفاقا اليوم على تناولها في إطار النظرية العامة للقيم على أنها متغيرة ونسبية.
وهي بذلك صفة نصف بها الأشياء، أو إن أردنا حكم نطلقه عليها، لكنها في الواقع لا توجد إلا داخلنا، ويمكن أن تكون متفقة مع الأحكام التي تطلقها المجموعة كما يمكن أن تكون خاصة بنا ،
لكنها في كل الحالات فكرة بديهية تمثل مرجعا أو أساسا لأفكار ولأحكام أخرى أو منطلقا لما نعتقد أنه قواعد سلوكية علينا الالتزام بها لأنها تمثل " ما يجب أن يكون ."
تحديد معنى المبدإ : المبدأ هو قاعدة سلوكية (ما يجب فعله) تنطلق من حكم قيمي
أما لفظ المبدإ فله عديد المعاني، إذ يدل أولا على أصل الشيء والسبب الأول لوجوده، لذلك فإن المبدأ من أسماء الله الحسنى، فهو الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداء من غير سابق مثال، والبدء فعل الشيء أول .
كما يدل لفظ المبدإ على مسلمة معينة تمثل منطلقا لتفكير استدلالي، أو بصفة عامة على فكرة تمثل أساسا لمنظومة متكاملة من المعارف .
لكن المبادئ أيضا، قواعد سلوكية تنطلق من حكم قيمي معين وتمثل بذلك نماذج يجدر التصرف وفقها.
وإن كنا سنختار هنا التعامل مع المبادئ على أنها قواعد، فيجدر القول أنها قواعد عامة تمثل في الواقع منطلقا لمنظومة من القواعد الأخرى الأقل عمومية والمترابطة فيما بينها لانبثاقها عن نفس المبدإ.
تحديد العلاقة بين القيم والمبادئ :
ونرى بذلك أن الفرق بين المبادئ والقيم هو الفرق بين ما يجب أن يكون وما يجب أن يفعل، وأن العلاقة بينهما جد وثيقة: فما يجب أن يكون أي القيم لا يجد طريقه للتحقق إلا من خلال فعل ما يجب أن يفعل أي المبادئ.
قيم ومبادئ الجمهورية:
وعندما يتعلق الأمر بتناول قيم و مبادئ الجمهورية، فإن التفكير فيه يستدعي أولا البحث في الأفكار التي يمكن ربطها بالجمهورية دون غيرها، ثم التمييز داخل تلك الأفكار بين ما يمكن أن نعتبره واجب الوجود وبين ما يمكن أن نعتبره واجب الفعل، أي بين القيم التي تقوم عليها الجمهورية والتي نسعى لتحقيقها من جهة، والمبادئ التي تبنى عليها وتمثل قواعد أساسية يتوقف تحقيق القيم على الالتزام بها من جهة أخرى.
فما هي القيم والمبادئ التي تختص بها الجمهورية؟ وكيف يمثل الالتزام بهذه المبادئ طريقا لتحقيق تلك القيم؟
تفترض الإجابة عن هذا السؤال البدء بتحديد مفهوم الجمهورية،
وقد ظهر لفظ الجمهورية : res publica لأول مرة في روما، لكن فكرة الجمهورية كانت قد وجدت بعد لدى الفلاسفة الإغريق .
والجمهورية في اللغة العربية مشتقة من فعل جمهر، و"جمهرت القوم إذ جمعتهم"، و"جمهور الناس جلهم"، و"الجمهوري هو العصير المطبوخ الحلال، قيل له الجمهوري لأن جمهور الناس يستعملونه أي أكثرهم" .
وهكذا يكون للجمهورية معنى الكثير من الناس، مما يجعلها دالة على النظام الذي يفترض فيه التعبير عن رأي العدد الأكبر من الناس، ولذلك تم استخدامه للدلالة على المفهوم الذي نطلق عليه اليوم هذا الاسم.
لكن ما نلاحظه هو أن الجمهورية اسم يحيل اليوم على مسميات مختلفة ظهرت بصورة متزامنة ، وإن كانت جمهورية أفلاطون تختلف عن جمهورية بودان (Bodin J.) التي تختلف عن الجمهورية في الفكر السياسي المعاصر ، وإن كان بعض المفكرين قد غلّب أحد دلالات لفظ الجمهورية على البقية فإن ذلك لم يمنع أن جميع هذه الدلالات لا تزال موجودة اليوم ؛
ويمكن حصر دلالات لفظ الجمهورية في ثلاث معان مترابطة لدرجة التداخل:
1) الجمهورية: الشأن العام res publica
فهي في الفكر السياسي الروماني التنظيم السياسي للمجتمع ، وهي أيضا الشيء العام أو الشأن العام ، وهذا الشأن هو موضوع السلطة السياسية وهدفها، وهو إن أردنا ما نطلق عليه اليوم لفظ الصالح العام الذي يبتعد عن المصالح الخاصة والضيقة ويختلف عن الشأن الخاص بكل فرد res privatae ، لكن سعادة كل فرد تتحقق داخله.
ويفيد هذا التصور وجود فضاء عام يتشارك داخله الجميع الاهتمامات والمصالح، وقد تطورت هذه الدلالة في الفكر السياسي الحديث لتجعل من الجمهورية تحديدا للمجال السياسي وبالتالي مرادفة للدولة .
2) الجمهورية : السيادة للشعب
ويعني مفهوم الجمهورية أيضا في الفكر السياسي الروماني تحديدا لصاحب السيادة وهو الشعب، أي أن الجمهورية هي النظام السياسي الذي تكون فيه السيادة للمجموعة لا للفرد ، للشعب لا للحاكم، فالشعب في الجمهورية هو مصدر مستقل للسلطة السياسية وإرادته هي مصدر القانون.
وبهذا المعنى تقترب الجمهورية كثيرا من معنى الديمقراطية ،
ويلاحظ الأستاذ سليم لغماني أن الجمهورية في الفكر السياسي خلال القرن 18 لم تكن مرادفة ضرورة للديمقراطية، لكنها في كل الحالات كانت تقدم من قبل المفكرين على أنها نقيض للاستبداد.
فمونتسكيو Montesquieu كان يعتبر أن الجمهورية يمكن أن تتجسد في كل من النظامين الديمقراطي والأرستقراطي ، واستبعد العديد من المفكرين (كانط Kant / ماديزون Madison ) الترادف بين الجمهورية والديمقراطية لاعتبارهم أن فكرة التمثيلية التي تقوم عليها الجمهورية تتناقض مع الديمقراطية التي كان فهمهم لها منحصرا في معنى الديمقراطية المباشرة فقط.
أما في الفكر السياسي الأمريكي، فإن مفهوم الجمهورية كان مرتبطا بصورة وثيقة بفكرة التمثيلية ، والنظام التمثيلي الذي يمثل أكثر النظم تلاؤما مع الجمهورية لدى "بان" Paine(Th.) كان يعتبر أكثر النظم مشروعية لأنه الوحيد الذي يكفل المصلحة العامة .
3) الجمهورية : شكل للنظام يقوم على انتخاب الحكام وخاصة رئيس الدولة.
وفي معنى ثالث، تفيد الجمهورية في الفكر السياسي الروماني النظام السياسي الذي يقع تعيين الحكام فيه عن طريق الانتخاب، ونطلقها اليوم على النظام الذي يقع فيه تعيين رئيس الدولة عن طريق الانتخاب لا عن طريق الوراثة .
لكن لفظ الجمهورية بهذا المعنى لا يحمل بالضرورة أي حكم قيمي في القانون الدستوري، فهي مجرد شكل للنظام يتحدد انطلاقا من طريقة تعيين رئيس الدولة ويمثل نقيضا للملكية، وشكل النظام لا يؤثر ضرورة على طبيعته، إذ يمكن أن نكون داخل جمهورية بهذا المعنى دون أن يكون الشعب هوصاحب السيادة.
وإذا أردنا معرفة الدلالة الخاصة اليوم بلفظ الجمهورية لرأينا أنه يقتصر على معناه الثالث، أي أن الجمهورية هي شكل النظام الذي يتم فيه تعيين رئيس الدولة عن طريق الانتخاب. أما بالنسبة للمعنيين الأول والثاني، فإن لفظ الجمهورية يمكن تعويضه بألفاظ عديدة مثل الدولة، الديمقراطية، النظام التمثيلي، دولة القانون .
لكن، هل هذه هي الجمهورية في أذهاننا؟ هل هي مجرد هيكل فارغ عديم المحتوى؟ هل يمكن أن نطلق على نظام سياسي استبدادي لا يحترم حقوق الإنسان ولا يمارس الشعب فيه سيادته تسمية الجمهورية؟
من الصعب التسليم بذلك، فبعض فقهاء القانون الدستوري يعتبرون أن هناك علاقة سببية بين شكل النظام وطريقة الحكم، إذ أن النظام الجمهوري يجعل من الانتخاب وسيلة تعيين الحكام، ويكون بذلك أكثر نظام يمكن من تحقيق سيادة الشعب أي من تحقيق الديمقراطية.
كما نجد أن العديدين يعتبرون أن الجمهورية تتجاوز هذا المعنى الأجوف الضيق، بل هي في الواقع مرادفة تماما للديمقراطية:
« Au-delà de l'exclusion du principe héréditaire, le concept doit être retenu comme synonyme de démocratie.»
ثم إن الجمهورية اليوم أكثر من مجرد لفظ يحيل على مفهوم معين، بل هي لفظ نستحضر من خلاله تصورا لما يجب أن يكون: نموذجا سياسيا مثاليا .
وقد كان كانط من أوائل من أشار إلى كون الجمهورية تمثل فكرة مثالية تعبر عما يجب أن يكون:
« la Constitution civile de chaque Etat doit être républicaine »
والجمهورية تحولت من عالم الموجودات إلى عالم المثل لأنها النظام الذي يفترض أن يحمي حقوق الإنسان وحرياته انطلاقا من أنه الأبعد عن التسلط والاستبداد. ولأنها أصبحت في حد ذاتها مثلا أعلى وقيمة تتجاوز المحسوسات، فقد تحول التفكير فيها إلى مسار متواصل نحو هذه الحقوق والحريات:
« la République est une marche vers plus de droit et de liberté dont le moteur nécessaire est le peuple »
وقد ساهمت التجربة السياسية الفرنسية في هذا التحول: تحول اللفظ من الدلالة على مفهوم إلى الدلالة على قيمة منشودة بل للدلالة على نوع من الإحساس الذي يقترب من القدسية لكونها الأقدر على استيعاب قيم حقوق الإنسان التي تمثل حمايتها الغاية من وجود المجتمع السياسي والتي تمثل ممارستها شرط وجود المجتمع السياسي.
وبالتالي، نجد أن قيم الجمهورية تتلخص في ضرورة ضمان حقوق الإنسان وحرياته، لكن للأمر هنا وجهين فحقوق الإنسان يمكن تصنيفها إلى طبيعية وسياسية؛ إلى حقوق الإنسان وحقوق المواطن.
فأما حقوق الإنسان الطبيعية أو ما يمكن أن نسميه حقوق الإنسان بالمعنى الضيق، فهي الهدف من وجود الجمهورية وتتمثل خاصة في الحرية وحرمة الفرد وحق الملكية والحق في مقاومة الاضطهاد.
وأما حقوقه السياسية أي تلك التي يمتلكها بصفته جزءا من المجتمع السياسي أي بصفته مواطنا، فهي شرط وجود الجمهورية، وتتمثل خاصة في الحق الانتخابي وحرية الرأي والتعبير وحق تأسيس الجمعيات.
لذلك أمكننا تصنيف قيم الجمهورية إلى صنفين :
حماية الحقوق والحريات الطبيعية للإنسان بوصفها الهدف من وجود الجمهورية، وحماية الحقوق والحريات السياسية للإنسان بوصفها مقومات أساسية لوجود الجمهورية.
أما مبادئ الجمهورية ، فهي القواعد التي يسمح الالتزام بها لهذه القيم بالتحقق:
وتبعا لذلك ، فإن من أهم مبادئ الجمهورية ذلك الذي يتمثل في فصل المسألة السياسية عن العناصر الخصوصية المتعلقة بكل فرد بهدف حماية الحقوق الفردية، علاوة على حماية المبادئ العامة للتنظيم السياسي.
كما أن الالتزام بمبدإ سيادة الشعب يؤدي إلى ضمان كل الحقوق التي تسمح لأفراد المجتمع السياسي بالمساهمة في تشكيل ملامح الجمهورية.
وتبعا لذلك سيتبع هذا العرض مرحلتين:
القسم الأول: مبدأ السيادة (المبدأ)، ضمان للحقوق والحريات السياسية للإنسان (القيمة).
القسم الثاني : مبدأ فصل المجال العام عن المجال الخاص (المبدأ) ،ضمان للحقوق والحريات الطبيعية للإنسان (القيمة).
القسم الأول: مبدأ السيادة (المبدأ) ضمان للحقوق والحريات السياسية للإنسان (القيمة)
سيادة الشعب
السيادة قوة وحيدة وسامية تمارسها السلطة السياسية التي يفترض أن يطيعها المجتمع السياسي ،
وقد درج الفكر السياسي الحديث منذ بودان Bodin على اعتبار أن السيادة من أهم خصائص الجمهورية فهي التي تعطي المجموعة وحدتها وانسجامها، وهو في ذلك يستخدم لفظ الجمهورية بمعنى الدولة:
« République… est un droit gouvernement de plusieurs ménages et de ce qui leur est commun avec puissance souveraine. »
وتتأسس السيادة في الفكر السياسي المعاصر على فكرة العقد الاجتماعي الذي يبرمه أفراد متساوون للخروج من سلطان القوة إلى سلطان القانون. وإذ يؤسس العقد الاجتماعي بذلك المجتمع السياسي، فإنه يحوّل في الآن نفسه الإنسان إلى مواطن أي إلى فرد من أفراد المجتمع السياسي.
ويمثل القانون حسب روسو Rousseau تعبيرا عن الإرادة العامة، ونتيجة لذلك ترتبط فكرة السيادة بفكرة القانون، إذ أن السيادة هي أيضا السلطة التي تملكها داخل الدولة الجهة صاحبة الاختصاص في وضع القوانين وهي الشعب.
ويحتل القانون لدى سيسرون Cicéron مكانة هامة داخل الجمهورية، إذ يمثل الرابطة التي تجمع أفراد المجتمع السياسي، ولا وجود لجمهورية دون قانون .
ومن هنا يكون مبدأ الشرعية من أوكد مبادئ الجمهورية احتراما لأن القانون ينبثق عن الإرادة العامة، وهذا ما دفع ب روسو Rousseau إلى اعتبار أن لفظ الجمهورية يطلق على كل دولة يحكمها القانون.
وتفترض فكرة الجمهورية أن يكون المجتمع السياسي نفسه هو صاحب السيادة، فما دامت الجمهورية هي الشأن العام، فالكل معني بها، ولا تتم ممارسة السلطة السياسية إلا باسم المجتمع السياسي الذي لا يطيع- انطلاقا من هذا التصور -إلا نفسه، وفي هذه النقطة، تكون فكرة الجمهورية مرادفة لفكرة الديمقراطية أي حكم الشعب.
وفكرة الديمقراطية التي ظهرت في أثينا وتمت ممارستها من قبل المواطنين تمثل أول شكل لظهور الفضاء العام أو الحياة السياسية التي يتحدد الانتماء فيها انطلاقا من مفهوم المواطنة دون غيره من الانتماءات القبلية أو الاقتصادية. وممارسة الديمقراطية تعني تمتع مجموع المواطنين بالسيادة التي تسمح لهم باتخاذ كل القرارات الهامة التي تخص المدينة.
مبدأ السيادة يكرس قيم الحقوق والحريات السياسية التي تمثل سبيل بناء الجمهورية.
وتمثل الثورة الفرنسية التي أدت إلى سقوط الملكية وإعلان الجمهورية نقطة التحول التي دفعت بالجمهورية نحوالارتباط بهذا المبدإ أي مبدإ سيادة الشعب بما يتفرع عنه من حقوق وحريات تتعلق بالمشاركة المباشرة في ممارسة السلطة السياسية ونعني بذلك خاصة الحق الانتخابي.
فإذا كانت السيادة ترجع للشعب، يكون على الشعب ممارستها لتحقيق وجود الجمهورية. وإذا كانت الجمهورية هي الشأن العام الذي يحق لكل أفراد الشعب المساهمة في اتخاذ القرار بشأنه، فإن النظام الجمهوري يفترض إعطاء الأفراد الوسائل الضرورية للمشاركة في التصرف في شؤون المجموعة بما يعني احترام الحقوق السياسية للمواطن.
ولا تتمثل وسائل المشاركة في الحياة السياسية في الحق الانتخابي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى ممارسة الحريات العامة مثل حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الصحافة وحرية تأسيس الجمعيات.
ويمثل احترام مبدإ سيادة الشعب، بكل انعكاساته، الوسيلة الكفيلة بالوصول إلى تحقيق احترام هذه الحقوق بوصفها مبادئ مؤسسة لوجود الجمهورية.
وبالرجوع إلى الحق الانتخابي، نرى المكانة التي يحتلها مبدأ التمثيلية في النظام الجمهوري، إذ هو النظام الذي تمارس فيه السيادة من خلال الانتخاب.
ولنا أن نلاحظ في هذا المقام أن التصور التقليدي للديمقراطية يتنافى مع قبول فكرة التمثيلية، ويقول روسو Rousseau في هذا الشأن أن صاحب السيادة لا يمكن تمثيله، بحيث أن نواب الشعب ليسوا سوى وكلاء لا ممثلين .
وقد كان الأمريكي هاملتون Hamilton أول من تحدث عن الديمقراطية التمثيلية سنة 1777، بوصفها الجمهورية التي تحقق سلطان القانون لا حكم البشر.
وقد ارتكز النظام السياسي الأمريكي على هذا التصور الجديد للديمقراطية وللجمهورية الذي يقوم على تقديس الحقوق والحريات الفردية التي لا يمكن المساس بها وعلى الفصل بين السلط وعلى مبدإ التمثيلية.
وتفترض سيادة الشعب لذلك أن ممارسة السلطة السياسية تتم باسمه من قبل أشخاص معينين لمدة محدودة من قبله، وهم بذلك ليسوا سوى ممثلين له لا يستمدون سلطاتهم من سواه . وهؤلاء الممثلون معرضون للمساءلة وللمحاسبة حول طريقة تصرفهم طوال تلك المدة.
وإن كان مبدأ مراقبة ممثلي الشعب يبدو اليوم بديهيا بالنسبة لنا، فإنه لم يكن كذلك منذ البداية، فقد كان لفكرة السيادة من الهيبة في القارة العجوز ما يمنع إخضاعها للرقابة، وقد كان على أوروبا تحمل فظائع النازية قبل أن تدرك أن الإرادة العامة يمكن أن تخطئ، وأن ممثلي الشعب يمكن أن يتحولوا إلى أداة لقمعه وحرمانه من حقوقه وحرياته وقبل أن تقتنع بأنه لا سبيل إلى حماية الهدف الأسمى من وجود المجتمع السياسي وهو المحافظة على حقوق الفرد وحرياته الطبيعية وأنه لا سبيل للمحافظة على كيان المجتمع السياسي الذي يتحقق من خلال المشاركة السياسية إلا من خلال إقرار رقابة قانونية على ممثلي صاحب السيادة إلى جانب الرقابة السياسية الناتجة عن مبدإ التعددية ومبدإ التداول.
وهكذا، أصبح فرض احترام الدستور الذي يحتوي تكريسا للحقوق والحريات وتدوينا لأهم المبادئ التي يقوم عليها تنظيم الدولة آلية ضرورية لمنع مبدإ سيادة الشعب –أي لمنع النظام الديمقراطي- من الوقوع في اضطهاد الأقليات والمساس بأهم القيم التي ترنو إليها وهي حماية حقوق الإنسان وحرياته الطبيعية فضلا عن حماية القواعد الأساسية التي يقوم عليها تنظيم الدولة وتنظيم سبل المشاركة السياسية.
فالرقابة على دستورية القوانين، عندما تتأسس على حماية الحقوق والحريات، ليست سوى وسيلة "لإلغاء" ما أقرته الإرادة العامة ممثلة في الأغلبية البرلمانية المنتخبة من قبل الشعب صاحب السيادة. وكأن الجمهورية تفترض أن نجد إلى جانب الجمهور مجموعة من الحكماء ممثلين في القضاة الدستوريين الذين تتمثل وظيفتهم في منع صاحب السيادة من المساس بالأهداف الأساسية من وجود المجتمع السياسي التي يكرسها الدستور بصفته ميثاق تأسيس ذلك المجتمع.
وهكذا نتحول من نظام يكرس سيادة القانون باعتباره نتاج الإرادة العامة إلى نظام يكرس سيادة الدستور الذي لا يمكن أن يعبر القانون عن الإرادة العامة إلا في إطار احترامه ، وهذا التطور الذي شهدته الجمهورية لا يمثل قطيعة مع ثوابتها بقدر ما يعكس انتقالا إلى نموذج جمهوري أكثر فعالية في حماية حقوق الإنسان.
وبذلك تقف الجمهورية حاجزا أمام الديمقراطية ينتزع منها بذور تحولها إلى نظام استبدادي باسم سيادة الشعب.
لكن ما يجب ملاحظته في هذا الصدد هو أن الجمهورية لا تسمح بذلك بتعويض سيادة الشعب بسيادة القضاة، لأن القاضي الدستوري لا يملك الكلمة النهائية إذ أن سيادة الشعب تتجسد في النهاية عبر التعديل الدستوري وذلك إن كان يرغب في تغليب خيار معين، وكأن دور القاضي الدستوري يقف عند التنبيه إلى أن مسألة معينة لا يمكن تناولها من قبل القانون بل تحتاج إلى إجماع أكبر بحيث لا يمكن إلا أن تدرج في نص الدستور أي إلى التنبيه إلى عدم اختصاص السلطة التشريعية في اتخاذ قرار بخصوص هذه المسألة .
وتستجيب هذه القواعد التي أصبحت مطلبا عاما منذ النصف الثاني من القرن الماضي إلى نفس الانتقادات التي وجهها الفلاسفة القدماء إلى النظام الديمقراطي الذي تمت ممارسته في أثينا على شكل الديمقراطية المباشرة، فقد أشار أرسطو إلى أن حكم الشعب أو سيادة الشعب لا يمكن أن يكون دون حدود، بل ينبغي أن يخضع إلى حكم القانون، ومفهوم القانون هنا يفيد النصوص التي تدوّن التقاليد السياسية للمدينة، مما يتفق مع المفهوم المعاصر للدستور.
واحترام المواطنين لهذا الدستور يمثل الحد الفاصل بالنسبة لأرسطو بين الحكم الدستوري والديمقراطية المطلقة التي تمنح جميع السلطات للشعب والتي تتحول بمرور الزمن إلى نظام يكرس استبداد الجموع التي يمكن أن تحركها الخطابة دون وعي منها بأبعاد قراراتها.
ويمكننا في هذا الإطار اعتبار أن الجمهورية بهذا المعنى تستجيب للتعريف المتفق عليه بخصوص دولة القانون،
ودولة القانون هي حسب Raymond Carré de Malberg : الدولة التي تخضع بنفسها إلى حكم القانون في علاقاتها بمواطنيها بهدف حماية حقوقهم الفردية، وذلك لتقييده نشاطها فيما يخصهم بواسطة قواعد تحدد الحقوق الراجعة إليهم وأخرى تحدد الوسائل التي تملكها الدولة لتحقيق أهدافها.
وتتميز دولة القانون بمبدإ الترتيب التفاضلي للقواعد القانونية الذي نظّر له Kelsen ، ويفيد أن كل قاعدة من القواعد القانونية تجد أساسها في القاعدة التي تعلوها درجة في سلم القواعد القانونية. وبمقتضى هذه النظرية يكون الدستور في أعلى سلم القواعد القانونية ولذلك يفترض أن يحتوي ذلك الدستور إلى جانب تحديد القواعد الأساسية لتنظيم الدولة تكريسا للحقوق والحريات.
القسم الثاني : مبدأ فصل المجال العام عن المجال الخاص (المبدأ) ضمان للحقوق والحريات الطبيعية للإنسان (القيمة)
ضمان الحقوق الطبيعية للإنسان : غاية الجمهورية
إن الغاية القصوى من دخول الأفراد في المجتمع السياسي هي الحصول على ضمان حقوقهم وحرياتهم الطبيعية وتمتعهم بحماية المجموعة لها، فالحرية والأمن والعدالة حقوق لا يتنازل عنها الفرد بإبرامه للعقد الاجتماعي وإنما هو يروم المحافظة عليها وتكريسها. وينتج هذا التصور عن أولوية الفرد في الفكر السياسي الحديث والمعاصر بحيث تكون سعادته هي غاية كل نظام سياسي.
وينتج عن ذلك أن الإرادة العامة مصدر القانون وأن السلطة السياسية الممثلة للمجتمع السياسي يجدان حدا لهما في تلك الحقوق والحريات، بل إنهما لا تستندان في وجودهما سوى إلى غاية حماية تلك الحقوق والحريات. فالجمهورية لا تنشئ تلك الحقوق بل هي فقط توجد لحمايتها.
وإذا كانت الجمهورية ترتفع بالأفراد عن اختلافاتهم الضيقة لتجمع بينهم في ذلك المجال المشترك الذي يجمع كل مكونات المجتمع السياسي وتعلو فيه المصلحة العامة على المصالح الخاصة ويمثل احترام قواعده واجبا على كل فرد، فإن أول قاعدة يجب أن تحترمها الدولة والأفراد على حد السواء حتى تتحقق المصلحة العامة هي الفصل بين كل العناصر التي تمثل خصوصيات فردية لحصرها داخل الفضاء الخاص وبين العناصر المتفق عليها بين أطراف المجتمع السياسي.
ومن أهم العناصر الخاصة بالأفراد المسألة الدينية، التي تفترض الجمهورية عزلها عن المسألة السياسية.
عزل المسألة السياسية عن المسألة الدينية: وسيلة لضمان حقوق الإنسان الطبيعية
فإذا كانت الجمهورية تجعل الشأن العام شأن الجميع، فإنها تجعل منه شأن البشر لا شأن الآلهة، أما المسألة الدينية فإنها مسألة شخصية تقف منها الدولة على الحياد، فالجمهورية تحترم حرية المعتقد، وهي لا تتبنى ديانة معينة، بل هي تتعامل مع كل الأديان على قدم المساواة.
لذلك فإن النظام الجمهوري هو النظام الذي يمكّن من احترام المجال الخاص بكل فرد، ولا يطلب من الأفراد التحول إلى نماذج مستنسخة تستجيب إلى مقاييس تحددها السلطة السياسية فيما يتعلق بمعتقداتهم وتوجهاتهم الأخلاقية ونشاطاتهم الثقافية أو الاقتصادية، بل النظام الجمهوري هو النظام الذي يحترم الاختلاف والتعددية.
ويفضي ذلك إلى التمييز بين المواطن والمؤمن، والفصل بين الصفتين، وتجنب تصنيف المواطنين حسب معتقداتهم أو حسب التزامهم الديني، وذلك ما يضمن احترام الاختلاف وتجنب الإقصاء القائم على الدين. فعزل المسألة الدينية عن المسألة السياسية يحفظ للديانات استقلاليتها، حتى لا تتحوّل المسألة الدينية إلى أداة قمع وإخضاع في يد السلطة السياسية.
فالجمهورية التي تجد مرتكزا لها في النظام الديمقراطي لا تسمح لسيادة الشعب بالتحول إلى قوة كليانية تجعل من كل شؤون المواطنين شؤونا سياسية وتحول السلطة السياسية إلى رقيب على كل مجالات الحياة العامة والخاصة.
والحرية التي هي إحدى مطالب النظام الديمقراطي تمثل أول مطالب الجمهورية، إذ من حق كل إنسان العيش على النحو الذي يرتضيه خارج المجال السياسي، بقطع النظر عن القناعات الأخلاقية أو الدينية للمجموعة، مادام يحترم القوانين.
وعزل المسألة الدينية عن المسألة السياسية مبدأ يحفظ أيضا للجمهورية كينونتها، فلا معنى للقول أن الجمهورية هي الشأن العام، ولا معنى للقول أن الجمهورية تعني امتلاك الشعب للسيادة، إذا كنا سنفتك هذه السيادة منه فيما بعد لنبحث عن مصدر سماوي لتأسيس مشروعية السلطة السياسية ولنمنح سلطة القرار في الشأن العام إلى رجال الدين.
ويعرف هذا المبدأ في فرنسا باللائيكية التي تمثل أحد أهم مبادئ الجمهورية الفرنسية، ويكرسها الفصل 2 من الدستور الفرنسي، وقد ارتبط هذا المبدأ بخصوصية التجربة السياسية الفرنسية التي تميزت بالتصادم بين الكنيسة والدولة إبان الثورة الفرنسية، خاصة وأن الكنيسة اعتبرت من رموز النظام البائد وأحد دعائم استمراره ، وقد أدى تكريسه إلى تطوير الفصل بين الكنيسة والدولة، وقد أدى هذا الفصل إلى إلزام الدولة بالوقوف على الحياد إزاء المسألة الدينية بوصفها مسألة خاصة، وإلى إكساب التعليم العمومي استقلالية إزاء التعليم الديني. ويعتبر التعليم في فرنسا أهم وسائل تكريس مبدإ اللائيكية إذ يمكن من تنشئة أبناء الجمهورية على الولاء لانتمائهم إليها بعيدا عن الانتماءات الدينية التي يمكن أن تؤدي إلى الصراعات الطائفية.
واللائيكية التي تقوم على الفصل بين الدنيوي والروحي، وعلى انتزاع أي مشروعية دينية عن الدولة تؤدي إلى منع الدولة من ممارسة أي سلطة دينية، كما أنها تبعد رجال الدين عن ممارسة السلطات الدنيوية بصفتهم تلك.
والجدير بالقول هنا أن فكرة اللائيكية، بالصرامة التي نعرفها عنها، تمثل في الواقع خصوصية للتجربة السياسية الفرنسية، وهي خصوصية تضعها الظروف السياسية الآنية في موقع إعادة التقييم المتواصل، حيث أن تجاهل المسألة الدينية ليس ممكنا تماما خاصة إذا كانت الظاهرة الدينية تسعى للامتداد إلى المجال السياسي .
لكن الثابت في هذا الشأن هو أن الجمهورية لا تملك الاستناد إلى مشروعية دينية، كما ينبغي لها الابتعاد عن تبني أي خطاب ديني على حساب الآخر. كذلك، فإن الجماعات الدينية لا ينبغي لها محاولة فرض خطابها الديني على باقي أفراد المجتمع السياسي ولا يمكنها الانطلاق من مرجعية دينية لتقديم مشروع سياسي.
المجتمع المدني
لكن التفكير في فصل المجال العام عن المجال الخاص تجاوز المسألة الفردية كما تجاوز المسألة الدينية ليتطور نحو تصور أشمل لعلاقة الدولة بالمجتمع،
فقد بدأ بالظهور وعي متنام بأن المجتمع الإنساني لا يقف عند النظام السياسي، وبأن للمجتمع والدولة قواعد مختلفة تحكمهما، وبما أن الأولوية أعطيت للمجتمع فقد تمت إعادة التفكير في الدور الذي يجب أن تلعبه الدولة نحو بعض التنسيب من حجمها، فلم يعد السياسي هوالكفيل بتحقيق سعادة البشر ولم تعد للسيادة نفس القداسة التي كانت تتمتع بها، حتى لقد أمكن لأحد فقهاء القانون الدستوري القول:
« la souveraineté n'existe que de manière limitée et relative…»
ونتيجة لهذا الوعي، قام النظام السياسي الأمريكي على الحد من سيادة الشعب عبر تكريس مجموع الحقوق والحريات الفردية لمنع الديمقراطية من أن تتحول إلى نظام تستبد فيه الجموع بمصير الأفراد.
ونظر هيقل Hegel لمجتمع سياسي يعترف بالهوية الاجتماعية رغم قيامه على الهوية السياسية المتماثلة التي يتمتع بها الجميع، لمنظومة تأخذ بعين الاعتبار الفرد بوصفه مواطنا مساويا لبقية المواطنين في الحقوق والواجبات، ولكن أيضا بوصفه عضوا في المجتمع المدني المتميز بتضارب المصالح التي يجب الاعتراف بها.
والمجتمع المدني، تلك الفكرة التي ظهرت لدى أرسطو، وتواصل وجودها عبر الزمن في اتحاد مع فكرة الدولة أو المجتمع السياسي حينا وانفصال عنها أحيانا بدأت تأخذ ملامحها الحالية مع الفلاسفة الألمان في القرن الثامن عشر.
وتمثل فكرة المجتمع المدني ابتعادا عن نظريتين أساسيتين في الفكر السياسي ألا وهما نظرية العقد الاجتماعي ونظرية الصبغة الطبيعية للمجتمع السياسي.
فأما نظرية العقد الاجتماعي، فتفترض وجود حالة الطبيعة التي يكون فيها الفرد وحيدا بحيث لا يبدأ انتماؤه إلى المجموعة إلا انطلاقا من حصول العقد الذي ينشئ المجتمع السياسي المتكون من مواطنين متساويين أمام القانون.
وأما نظرية الصبغة الطبيعية للمجتمع السياسي والتي تلخصها قولة ابن خلدون الشهيرة: الإنسان مدني بالطبع فتقوم على أن الإنسان لا يمكنه الوجود خارج المنظومة السياسية.
فالمجتمع المدني يتكون بصورة تلقائية انطلاقا من العلاقات التي يبنيها البشر بينهم نظرا لتشابك مصالحهم وهي علاقات تحددها الاختلافات بينهم بحيث لا يمكن الإقرار بالمساواة المبدئية بينهم، ويقوم المجتمع المدني بذلك على فكرة الحرية أكثر مما يقوم على فكرة المساواة التي يكرسها المجتمع السياسي بين المواطنين.
ولا يفترض وجود عقد كما أنه لا يمثل تنظيما سياسيا بل فقط تنظيما اقتصاديا واجتماعيا .
ويقر الفيلسوف الألماني فيخت Fichte بالفصل بين المجتمع المدني والدولة ويعتبر أن للمجتمع المدني فسخ العقد الاجتماعي إذا لم تلتزم الدولة باحترام الحقوق التي يملكها الفرد بوصفه عضوا فيه.
وبالرغم من إقرار هيقل بأن المجتمع المدني يحتاج إلى وجود الدولة لتصلح تجاوزاته وتضمن حقوق أفراده، فإن ذلك لا يمنعه من التأكيد على التمييز بينهما.
فعلى عكس المجتمع المدني، لا يهدف وجود الدولة إلى تحقيق المصالح الفردية الخاصة، بل إن وجودها يستجيب لضرورة المحافظة على المصلحة العامة. ولذلك يكون لفكرة المجتمع المدني فضل إقرار مشروعية الحقوق والمصالح الفردية على أن تتولى الدولة كبح جماح تلك المصالح دون نفي وجودها.
وبذلك تكون الجمهورية هي الفضاء الذي يختلف عن كل ما هو ذاتي وخاص، لكنها في الآن نفسه الفضاء الذي يعترف به ويحاول الموازنة بين كل الخصوصيات في إطار المحافظة على الصالح العام.
و في الختام ، يرى الجمع الكريم أن الجمهورية واجبة الوجود تحيلنا على حقوق الإنسان وهي بالتالي تجسد زخما مذهلا من القيم التي لا يمكن التفكير في إمكانية تحقيقها إلا انطلاقا من منظومة من المبادئ التي تنطلق منها وتمثل شرطا لوجودها.
وإن تم الاكتفاء هنا بمبدأين يمثلان أساسين ضروريّين لتحقيق قيم الجمهورية والجمهورية القيمة وهما مبدأ السيادة ومبدأ عزل المجال السياسي عن غيره من المجالات، فإن هذين المبدأين يولّدان كمّا مذهلا من المبادئ الأخرى اللصيقة بفكرة الجمهورية مثل الديمقراطية، التمثيلية، ودولة القانون... مما يثبت مرّة أخرى أن الجمهورية تختزل داخلها كل ما يجب أن يكون عليه المجتمع السياسي.
) لسان العرب لابن منظور، دار المعارف،، ص. 3783 و ما يليها.
) Le Grand Robert de La Langue Française , Tome VIII, 2 ème éd., , p. 631.
) Encyclopaedia Universalis, Article Valeurs, p. 574 et s.s.
) لسان العرب لابن منظور، دار المعارف، ص. 223 و ما يليها.
) Le Grand Robert de La Langue Française , Tome VIII, 2ème édition p. 770.
) Le Grand Robert de La Langue Française , Tome VIII, 2 ème éd., , p. 771 :
« Principe…III. 1. Règle d'action, formulée ou non, s'appuyant sur un jugement de valeur et constituant un modèle, une règle ou un but… »
) لم تكن تسمية كتاب "السياسة" لأفلاطون بالجمهورية سوى نتيجة لاجتهاد المترجمين، و ربما كانت ترجمة الفارابي لتسميته بـ"المدينة الفاضلة" أقوم، وكذلك الأمر بالنسبة للفظ الجمهورية داخل كتاب أرسطو " السياسة".
LAGHMANI (S.), « Le Concept de République dans la pensée occidentale », in. La République , Actes du Colloque organisé à Tunis, les 2 et 3 décembre 1994 par L'Association Tunisienne de Droit Constitutionnel, Tunis, C. P. U., 1997, p.p. 12-13.
) لسان العرب لابن منظور، دار المعارف،، ص. 690.
) LAGHMANI (S.), « Le Concept de République dans la pensée occidentale », in. La République , Actes du Colloque organisé à Tunis, les 2 et 3 décembre 1994 par L'Association Tunisienne de Droit Constitutionnel, Tunis, C. P. U., 1997, p.p. 11-12.
) GOYARD-FABRE (S.), Article République, in. RAYNAUD (Ph.) et RIALS (S.) (dir.), Dictionnaire de Philosophie Politique , Paris, P .U. F., 1993 , , p. 564.
) Le Grand Robert de La Langue Française , 2 ème éd., , p. 288.
) PONTIER (J. M.), La République , Dalloz, 1992, p. 239.
) BURDEAU (G.), « République et supériorité des normes internationales », Colloque La République en droit français , Dijon, 10 et 11/12/1992, Economica, 1996, p. 299.
) LADJILI-MOUCHETTE (J.), Histoire juridique de la méditerranée ; droit romain, droit musulman, Tunis, C. E. R. P., 1990, p. p. 67-68.
) LAGHMANI (S.), « Le Concept de République dans la pensée occidentale », in. La République , Actes du Colloque organisé à Tunis, les 2 et 3 décembre 1994 par L'Association Tunisienne de Droit Constitutionnel, Tunis, C. P. U., 1997, p.p. 14 et 17-21.
) Le Grand Robert de La Langue Française , 2 ème éd., , p. 289.
) MONTESQUIEU (Ch. –L. de ), De l'esprit des lois, édition Derathé, Paris, Ed. Garnier Frères, 1973, L . II, Ch. 1 et L. II. Ch. 2, Tome I, p. 14.
) Kant (E.), Projet de paix perpétuelle, esquisse philosophique, 1795, traduction Gibelin (J.), Paris, Librairie philosophique J. Vrin, 1992, p. p. 19- 21 .
) MADISON (J.), Le Fédéralisme, n° X, du New York Packet, vendredi 23-11- 1787, in . Hamilton (A.) Jay (J.) Madison, Le Fédéralisme , Traduction par Gaston Jèze, Paris, Economica, 1988, p. p. 66-76.
) LAGHMANI (S.), « Le Concept de République dans la pensée occidentale », in. La République , Actes du Colloque organisé à Tunis, les 2 et 3 décembre 1994 par L'Association Tunisienne de Droit Constitutionnel, Tunis, C. P. U., 1997, p. 26.
) PAINE (Th.), Les droits de l'homme, (1791-1792), traduction Vincent (B.), Ligue des droits de l'homme, Presses universitaires de Nancy, p. 173.
) Le Grand Robert de La Langue Française , 2 ème éd., , p. 289.
) LAGHMANI (S.), « Le Concept de République dans la pensée occidentale », in. La République , Actes du Colloque organisé à Tunis, les 2 et 3 décembre 1994 par L'Association Tunisienne de Droit Constitutionnel, Tunis, C. P. U., 1997, p. 35.
) HAURIOU (M.), Précis de droit constitutionnel, Paris, Sirey, 2 ème éd., 1929, p. 343.
) GICQUEL (J.), Droit constitutionnel et institutions politiques, Paris, Montchrestien, 12 ème éd., 1993, p. 524.
) NICOLET (C.), NOVELLE (M.), HUARD (R.) et MARTELLI (P.), La passion de la République : un itinéraire français, édition Sociales Essai, 1992, p. 11.
) KANT, Essai sur la paix perpétuelle , 1795, (premier article définitif)
) LUCHAIRE (F.) et CONAC (G.), La Constitution de la Vème République-Analyses et commentaires, Economica, 1987, 2 ème éd., p.123.
voir encore :
FERRY (L.)et RENAULT (A.), « Philosophie politique », Tome III, Des droits de l'Homme à l'idée républicaine, Paris, P. U. F., 1985, p. 166.
) NOUVEL (K.) et RUBY (C.), " La République revisitée " , Regards sur l'actualité, décembre 1992, p. 5.
) LAGHMANI (S.), « Le Concept de République dans la pensée occidentale », in. La République , Actes du Colloque organisé à Tunis, les 2 et 3 décembre 1994 par L'Association Tunisienne de Droit Constitutionnel, Tunis, C. P. U., 1997, p. 35-37.
و في الصفحة 39 يشير الأستاذ سليم اللغماني إلى أن من مظاهر هذه الشحنة القيمية التي تتمتع بها الجمهورية نجد فقه قضاء المجلس الدستوري الفرنسي المتعلق بالمبادئ الأساسية المكرسة في قوانين الجمهورية و التي أدمجها المجلس ضمن كتلة الدستورية، و كأن الجمهورية وحدها قادرة على إقرار مبادئ جديرة بالارتقاء إلى المرتبة الدستورية.
) يمكن الرجوع في خصوص مبادئ الجمهورية إلى:
KLIBI (S.), « Les principes républicains », in. La République , Actes du Colloque organisé à Tunis, les 2 et 3 décembre 1994 par L'Association Tunisienne de Droit Constitutionnel, Tunis, C. P. U., 1997, p. 47, note 3.
) و هي قوة وحيدة لأنها توحد المجموعة و تمثلها، و هي قوة سامية لأنها لا يمكن أن تكون سيدة لو كانت هناك قوة أخرى تعلوها مرتبة.
) BENTHAM (J.), Of laws in general, Ed. Hart., 1970, p. 18.
) BODIN (J.), Les six livres de la République , 1576 , I. I. p. 1.
) GOYARD-FABRE (S.), Article République, in. RAYNAUD (Ph.) et RIALS (S.) (dir.), Dictionnaire de Philosophie Politique , Paris, P. U. F., 1993 , p. 565.
) ROUSSEAU (J.-J.), Le contrat Social , II, 1, p. 368.et III, 15, p. 430.
) HAMILTON, Papers , I, Columbia Univ. Press, 1962, p. 255.
) MADISON (J.), Le Fédéralisme, par Hamilton (A.), Joy (J.) et Madison (J.), Préface Tune (A.), Economica, coll. Nouveaux horizons, 1988, p. 311.
( Conseil Constitutionnel français, décision n°85-197 DC du 23/08/1985 ; Evolution de la Nouvelle-Calédonie .
) VIOLA (A.), La notion de République dans la jurisprudence du Conseil Constitutionnel, Paris, L. G. D. J., Bibliothèque constitutionnelle et de science politique, Tome 105, 2002, p. 79.
) VIOLA (A.), La notion de République dans la jurisprudence du Conseil Constitutionnel, Paris, L. G. D. J., Bibliothèque constitutionnelle et de science politique, Tome 105, 2002, p. 177.
) VIOLA (A.), La notion de République dans la jurisprudence du Conseil Constitutionnel, Paris, L. G. D. J., Bibliothèque constitutionnelle et de science politique, Tome 105, 2002, p. 184 et s.s.
) CONSTANT (B.), De la liberté chez les modernes , Livre de poche, 1980, p. 271.
) GOYARD-FABRE (S.), Article Etat et Société Civile, in. RAYNAUD (Ph.) et RIALS (S.) (dir.), Dictionnaire de Philosophie Politique , Paris, P. U. F., 1993 , p. 247.




