تحاليل وآراء

الجمهورية وترسيخ حقوق الإنسان

الأستاذ حاتم بن سالم،
كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلف بالشؤون الأوروبية 

بسـم الله الرحمـان الرحيم
السيد رئيس مجلس النواب،
السادة النواب المحترمون،
السيدات والسادة الحضور،

يسعدني أن ألتقيكم اليوم في رحاب مجلس النواب، هذه المؤسسة الدستورية العريقة، رحاب الديمقراطية والحرية. ولا يسعني، بهذه المناسبة إلا أن أعرب للسيد رئيس المجلس وللقائمين على تنظيم هذه التظاهرة عن خالص شكري لتفضّلهم بدعوتي للمساهمة في هذه الأيام الدراسية التي تنتظم احتفالا بالذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية كما لا يفوتني أن أشكر لكم حسن اختياركم لموضوع هذه الأيام الدراسية التي تتمحور حول أبعاد ومعاني جمهورية الغد في ارتباط بحقوق الإنسان وهو موضوع في صميم المشروع الحضاري المجتمعي لسيادة رئيس الجمهورية زين العابدين بن علي.

فمنذ تحوّل السابع من نوفمبر شكلت الجمهورية وحقوق الإنسان العنوان الأبرز لمرحلة جديدة وواعدة أقدمت عليها البلاد بكل ثقة وتفاؤل بفضل خيارات ثابتة وصائبة وتوجهات برهنت الظروف على سدادها ونجاعتها ومكنت من تدعيم مقومات النظام الجمهوري وتكريس وصيانة حقوق الإنسان في الواقع اليومي للمواطن التونسي.

فالجمهورية، كأسلوب حكم وكخيار سياسي، تحتلّ مكانة جوهرية في صلب النظام السياسي التونسي. إذ هي، بمقتضى الدستور، القيمة الوحيدة غير القابلة للمراجعة والتنقيح. وقد اختارها أول مجلس قومي تأسيسي، وقبل إصدار الدستور بنحو سنتين، كخيار جوهري ورئيسي وكقاعدة أساسية في وضع النّظام السياسي للدولة التونسية المستقلّة، وذلك بإعلانه قيام الجمهورية يوم 25 جويلية 1957.

وقد كرّس دستور 1 جوان 1959 النّظام الجمهوري، إذ نصت توطئته على " أنّ النّظام الجمهوري خير كفيل لحقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ولتوفير أسباب الرّفاهية بتنمية الاقتصاد واستخدام ثروة البلاد لفائدة الشّعب وأنجع أداة لرعاية الأسرة وحقّ المواطنين في العمل والصحّة والتّعليم" كما نصّ في فصله الأوّل على أن الجمهورية هي نظام الدولة التّونسية.

ولقد حاول واضعو الدستور، آنذاك، التوفيق بين مطلبين: رغبة جيل الكفاح التأسيس لنظام جمهوري يمارس فيه الشعب سيادته، من جهة، وضرورة تأمين استقرار الدولة الحديثة وتطوير قدراتها، من جهة ثانية.

لذلك أرسى الدستور الجديد نظاما جمهوريا رئاسيا يلعب فيه رئيس الجمهورية دورا محوريا يضمن الاستقرار ويتماشى مع متطلبات التصريف الفعّال لدواليب الدولة بما يستجيب لمتطلبات المرحلة وتطلعات الشعب التونسي.

ولقد عرفت بلادنا تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية حادت بالجمهورية عن أهدافها ومسّت قيمها الثابتة مثل تكريس الرئاسة مدى الحياة والخلافة الآلية وحرمان الشعب، بالتالي، من حقه في اختيار رئيس الجمهورية بصفة دورية.

ولذلك كان من الطّبيعيّ أن تبادر حركة الإصلاح الّتي جاء بها تغيير الساّبع من نوفمبر 1987، بتصحيح المسار الجمهوري وتكريس أبعاده الحقيقية عبر إصلاحات متتالية توجت بإعلان سيادة رئيس الجمهورية في خطابه يوم 7 نوفمبر 2001 بمناسبة الذّكرى 14 للتحول عن اعتزامه إدخال إصلاح جوهري على الدّستور يؤسس لجمهورية الغد.

ويمكن اعتبار هذه البادرة عملية تحديثية تهدف إلى تخليص الدّستور ممّا علق به من شوائب، وتتويجا، أوّلا للتنقيح الدستوري لسنة 1993 الذي ارتقى بالمجلس الدّستوري إلى المرتبة الدّستورية، ثمّ ثانيا تدعيما لتعديل سنة 1997 الذي شهد بالخصوص توسيع مجال الاستفتاء ليشمل تكريس التعدّدية الحزبية دستوريا .

وشكل الخطاب الذي ألقاه الرئيس زين العابدين بن علي في 7 نوفمبر 2001 منعطفا في التاريخ السياسي لتونس بظهور مصطلح جديد هو جمهورية الغد حيث قال سيادته بالخصوص:"نعلن عن اعتزامنا تقديم مشروع إصلاح دستوري جوهري، نحقق به نقلة نوعية لنظامنا السياسي في ضوء ما توفر لبلادنا من مكاسب وإنجازات، ونؤسس به لجمهورية الغد".

وقد كان هذا الإصلاح الدستوري أهم تعديل يدخل على الدستور منذ صدوره في 1 جوان 1959، اعتبارا لطريقة اعتماده وبالنظر كذلك لشكله ومضمونه، إذ أنّه راهن على أرقى أشكال الممارسة الديمقراطية، وطمح إلى أمثل تجسيد للإرادة الشعبية من خلال مضامين تواكب وتعزّز التطوّر المجتمعي وتبرهن عن النضج السياسي الذي بلغه الشعب التونسي.

وقد أتاح الاستفتاء حول الإصلاح الدستوري فرصة للشعب للممارسة الفعلية لسيادته ولتكريس إرادته الحرّة التي تبقى الفيصل في كل الخيارات التاريخية وفقا للفصل 18 من الدستور الذي ينصّ على أن "يمارس الشعب السلطة التشريعية بواسطة مجلس النواب ومجلس المستشارين أو عن طريق الاستفتاء".

ومن حيث الشكل شمل التعديل 39 فصلا أي نصف فصول الدستور، موزعة على أبواب خمسة هي: الباب الأول أحكام عامة، والباب الثاني السلطة التشريعية، والباب الثالث السلطة التنفيذية والباب الثامن الجماعات المحلية والباب التاسع المجلس الدستوري.

وعلى مستوى المضمون تبرز أهمية هذا التعديل لأنه اختزل أهم المبادئ التي يقوم عليها المشروع المجتمعي للعهد الجديد وجعل الدستور يتكيف مع منظومة حقوق الإنسان في أبعادها الشاملة.

ومن هذا المنطلق تقوم أسس الإصلاح الدستوري لجمهورية الغد على دولة القانون وعلى التعددية وعلى نظام تمثيلي واسع، من جهة، وتطور وتحمي حقوق الإنسان من جهة أخرى.

ذلك أن الفقرة الثانية من المادة الخامسة من الدستور تنص على أن "تقوم الجمهورية التونسية على مبادئ دولة القانون.." ومن شأن التنصيص على هذا المبدأ أن يجعل من الدستور ترجمة واضحة للمبادئ التي يقوم عليها المشروع المجتمعي للتحول وهي مبادئ دولة القانون التي ارتبطت منظومتها الفكرية بمبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية وأن يجعله مستجيبا للتطور الهام الذي عرفته المنظومة الفكرية الدولية في هذا المجال.

وتعني مبادئ دولة القانون التي وقع التنصيص عليها في الفصل الخامس (جديد) من الدستور خضوع الدولة ومؤسساتها في علاقتها بالأفراد إلى القانون والتزامها، عند إصدارها أوتعديلها للقوانين، بقواعد إجرائية مضبوطة مسبقا حتى لا يقع تعديل القوانين بطريقة تعسفية إلى جانب وجود منظومة قانونية متدرجة يراعى فيها سلّم القوانين واستقلالية القضاء.

وإيمانا بأن النظام الجمهوري سيفقد كنهه في غياب فضاء ديمقراطي تعددي تشترك في بنائه وتؤثثه القوى الحية للأمة، ويتيح لها اختيار قيادته السياسية والمساهمة في رسم الخيارات الكبرى للدولة، تضمّن إصلاح سنة 2002 (الفقرة 2 من الفصل 5) التنصيص على أنّ الجمهورية التّونسية تقوم على مبدأ التعدّدية بما يرفعه من مستوى المبدإ العام، في إطار توطئة الدستور، ليشمل أحد الشّروط الأساسية للممارسة الدّيمقراطية وكمبدإ من مبادئ الجمهورية التّونسية. وهذا الإثراء الفعلي والعميق للمبدإ الدّيمقراطي يكتسي أهميّة بالغة إذا ما اعتبرنا تنقيح سنة 1997 الذي أدرجت بموجبه الأحزاب السياسية ضمن الدّستور.

على أن التعددية لا تقتصر على تعددية الأحزاب بل تتعداها لتشمل تعددية التنظيمات الشعبية، والجمعيات ومختلف مكونات المجتمع المدني وهي كذلك تعددية تساهم في إثراء المشهد السياسي والفكري والثقافي والإعلامي في تونس وتعكس ذكاء شعبها الذي نراهن عليه جميعا لأنه الضمان الوحيد للإرتقاء بتونس لأسمى درجات التنمية.

ووعيا بضرورة تمكين الشعب من ممارسة سلطته في اختيار رئيس الجمهورية بصورة فعلية، وتكريسا لمبدأ التعددية والحق في الإنتخاب، وأمام تعذر حصول ترشحات من المعارضة للانتخابات الرئاسية في ظل الشروط المعمول بها، بادر الرئيس بن علي منذ سنة 1999 باقتراح إدخال أحكام استثنائية للفقرة الثالثة من الفصل 40 من الدستور والمتعلقة بشروط الترشح للانتخابات الرئاسية، حيث خوّل الترشح لرئاسة الجمهورية لكل مسؤول أوّل عن كل حزب سياسي يكون يوم تقديم ترشحه مباشرا لتلك المسؤولية ومنذ مدة لا تقل عن خمس سنوات متتالية ويكون حزبه ممثلا في مجلس النواب.

ولأن البناء الديمقراطي في تونس عمل متواصل، ولأن تكريس التعددية جهد موصول الحلقات ومتجدد المراحل، أعلن الرئيس بن علي عن قراره اتخاذ الإجراءات القانونية الكفيلة بمزيد توسيع دائرة الترشح لرئاسة الجمهورية بالنسبة لانتخابات سنة 2004 بما يتيح على الأقل تقديم مترشح عن كل حزب ممثل في البرلمان ليتضاعف عدد المترشحين مقارنة بسنة 1999، ويتعمّق بذلك مفهوم الاختيار في مستوى التطبيق ويرتقي بنوعية الممارسة السياسية إلى مرتبة أرفع .

ومن أجل ضمان الانخراط المباشر والفاعل للمواطنين في الممارسة الديمقراطية عبر ممارسة حق وواجب الانتخاب الذي يترجم فعليا سيادة الشعب، واعتبارا لأهمية العملية الانتخابية ضمن البناء الجمهوري تم إقرار قانون لتنظيم عملية المراجعة الدائمة للقائمات الانتخابية وتمكين المواطنين والمواطنات غير المرسمين بتلك القائمات من تسجيل أسمائهم بها .

ومع إقرار التمثيل العام عبر انتخاب نواب الشعب مباشرة، وفي إطار توسيع نظم تمثيل الشعب بما يسهم في تطوير العمل الحكومي وتفعيل علاقة الحكومة بالسلطة التشريعية، تم إحداث مجلس المستشارين من أجل ضمان تمثيل أوسع للجهات ولمختلف مكونات المجتمع إثراء للوظيفة التشريعية وللحياة السياسية بصفة عامة.

وفي سياق تشريك التونسيين والتونسيات بمختلف اتجاهاتهم وكفاءاتهم في كافة القضايا الكبرى التي تخص الوطن والمجتمع أصبحت الاستشارة آلية محورية في سياسة تونس العهد الجديد وأصبحت من التقاليد الراسخة وإحدى القيم الثابتة التي مكنت كافة الفئات والقوى الاجتماعية من الإسهام الفاعل في رسم معالم المستقبل. وقد شهدت السنوات القليلة الماضية تنظيم عدة استشارات وطنية غطت كافة المجالات.

وأعتقد جازما أنّ هذه الأمثلة المستمدة من الواقع المعاش تدل على صواب التمشي الذي توخاه الرئيس بن علي في مجال تدعيم الحقوق السياسية والمدنية وذلك بصفة دائمة لا رجعة فيها.

ولمّا كان التلازم حتميا بين قيم الجمهورية وحقوق الإنسان فإن حقوق الإنسان هي العنوان الأوّل والأبرز لجمهورية الغد.

ولما كان الدستور هو الوثيقة المرجعية الضامنة للحقوق والحريات فإن مشروع الإصلاح أولاها، في كونية مبادئها وشموليتها وتكامل أبعادها وتلازمها، منزلة خاصة في نص الدستور. فشمل المشروع توسيع حماية الحياة الخاصة للفرد وتكريس حرمة الاتصالات وحماية المعطيات الشخصية. ولأن من مميزات السياسة التونسية منذ التغيير اقتران القول بالفعل، فقد نصّ الدّستور ولأوّل مرّة على أنّ الجمهورية التّونسية تضمن " الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في كونيّتها وتكاملها وترابطها "( الفقرة 4 من الفصل 5). كما وسّع الحقوق الأساسية التّقليدية لتشمل حماية المعطيات الشّخصية (الفصل 9)، وارتقى بجملة من الضّمانات والمبادئ القانونية إلى المرتبة الدّستورية على غرار الضّمانات القضائية حول الاحتفاظ والإيقاف التحفّظي، ومبدأ تطبيق النصّ الأرفق ، ومبدأ المعاملة الإنسانية في كنف احترام الكرامة لكلّ من فقد حرّيته .

ولا شك أن هذا الإجراء (دستورية حقوق الإنسان) يكتسي أهمية بالغة لأنه أعطى للحريات مرتبة دستورية مما يزيدها مناعة وحماية بحكم علوية الدستور التي يسهر على ضمانها المجلس الدستوري الذي صارت آراؤه ملزمة لجميع السلطات العمومية.

واختزلت الفقرة 4 من الفصل 5 بعمق مقاربة العهد الجديد في مجال حقوق الإنسان، هذه المقاربة التي تقوم على كونية حقوق الإنسان وترابطها وتكاملها وشموليتها.

ويستند البعد الكوني لحقوق الإنسان على كونية القيم والمعايير، فلا انتقاء ولا استثناء، فحقوق الإنسان المعلنة بميثاق الأمم المتحدة أو المكرسة في الإعلانات العالمية والمعاهدات الدولية ثمرة إرث إنساني مشترك وتتجه إلى الجميع دون أي ميز على قدم المساواة متجاوزة في ذلك كل الأطر والحدود الجغرافية.

غير أن هذه الكونية لا يجب أن تلغي الخصوصية التي تأخذ في الاعتبار مميزات كل مجتمع ودرجة تطوره وتقدمه في مختلف المجالات عند اعتماد طرق التطبيق وأشكال آليات الحماية وأساليبها.

ومن المعلوم أن أنفس حقوق الإنسان الحرية الفردية في مفهومها الواسع والتي لا يمكن النيل منها إلا في الحالات التي نصّ عليها القانون. ولتكريس ضمان الحرية الفردية للمظنون فيهم بالخصوص تضمن تعديل الدستور إجراء له أبعاد هامة وإيجابية تتمثل في أمرين أساسيين: أولهما خضوع الإيقاف التحفّظي للرقابة القضائية وثانيهما ألا يتم الإيقاف التحفظي إلا بإذن قضائي وهو تعزيز جوهري لدور السلطة القضائية باعتبارها حامية الحريات الفردية في البلاد.

وتماشيا مع المعايير والمبادئ العالمية المعمول بها في مجال الحماية من التعرّض للاعتقال أو للحجز التعسفي، حجّر الفصل 12 (جديد) "تعريض أي كان لاحتفاظ أو لإيقاف تعسفي" بصفة مطلقة ودون أن يخضع ذلك إلى أي شرط كالتنصيص على أن ذلك ينظم بقانون أو يمارس في حدود القانون.

وفي سياق إضفاء بعد إنساني على العقوبات الجزائية وتنفيذها، تم إدراج مبدأ تطبيق النص الأرفق الصادر بعد الأفعال الواقع من أجلها التتبع في الفصل 13 (جديد) الذي يمثل الاستثناء الوحيد لمبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية. كما تم التنصيص في الفقرة الثانية من ذات الفصل على المعاملة الإنسانية لكل فرد فقد حريته. فضلا عن قرار تعهّد الدولة بدفع التعويضات المناسبة لكل من يتعرض للإيقاف التحفظي ولا تثبت إدانته وكذلك بجبر الأضرار الحاصلة لكلّ من يعاقب بالسجن ثم تبرّؤه المحكمة بعد إعادة النظر في قضيته.

وتضمن التعديل الدستوري أيضا إجراء آخر لا يقل أهمية عن الإجراء الأول ويتمثل في توسيع حماية الحياة الخاصة للفرد وتكريس حرمة الاتصالات وحماية المعطيات الشخصية وهو إجراء يتماشى مع تطور تكنولوجيات الاتصال الحديثة التي قطعت تونس شوطا في الاستفادة منها ويضع بلادنا في طليعة الدول التي تهتم بما سمّي بالجيل الرابع من حقوق الإنسان بعد أن ضمنت الأجيال الأخرى من حقوق الإنسان الأساسية وحقوق التضامن والحق في السلم والتنمية.

وترتكز الشمولية في مقاربة المشروع المجتمعي للتحول على تلازم الحقوق المدنية والسياسية مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعدم استثناء أي فئة أو شريحة اجتماعية، وعدم المفاضلة بين الحقوق.

ويجد البعد الشمولي لحقوق الإنسان أساسه في الوعي الحاد بتفاعل مختلف أبعادها وبأن التنمية الاقتصادية والديمقراطية والاجتماعية مدخل وشرط لتجسيم حقوق الإنسان على مستوى الواقع اليومي للمواطن. فالحقوق السياسية لا يمكن أن تتجذّر دون توفير الحدّ الأدنى من الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين والعكس بالعكس، فلا كرامة لشعب وبعض فئاته تعاني الإقصاء والتهميش.

وتبين جميع المؤشرات التربوية والثقافية والصحية مدى التطور النوعي والكمي في مجال حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية في تونس. وهذا التطور يسير في اتجاه تكريس التنمية الديمقراطية الاجتماعية كركيزة أساسية من ركائز حقوق الإنسان مثلما أكده الرئيس بن علي بقوله أن "لا ديمقراطية بدون تنمية ولا تنمية بدون ديمقراطية".

إن الوعي بجدلية التنمية والديمقراطية يبرز أن المقاربة الشاملة لحقوق الإنسان في تونس أسست لوضع مدّ إصلاحي تنموي يساعد على نشر الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان بصفة فعلية ناجعة تتجاوز الشعار. هذا التوجه هو الذي يفسّر المعنى الحقيقي لمفهوم "الحق في التنمية" بما هو مفتاح كل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للإنسان.

وقد جعل هذا التمشي نسبة التمدرس تصل، في بلادنا، إلى أكثر من 99 بالمائة بين الأطفال البالغين ست سنوات ونسبة الربط بشبكة توزيع الماء الصالح للشراب تصل إلى 94 بالمائة ونسبة الربط بشبكة الكهرباء تصل إلى 96 بالمائة إضافة إلى تراجع نسبة البطالة والفقر وتنامي مستوى الدخل الفردي الخام من 952 دينارا سنة 1986 إلى 3555 دينارا سنة 2004.

ولما كان الإنسان هو الهدف من التنمية، وهو المستفيد من مقومات الحياة الكريمة كالماء الصالح للشراب والتجهيزات الصحية والسكن والتعليم والشغل، فإن التقدّم بوضعية المرأة والأسرة والطفولة، وهي من بين المؤشرات التي تقاس بها التنمية البشرية، بات من صميم المشروع الإصلاحي والتطويري.

وفي هذا السياق تتالت الإصلاحات والمبادرات الرامية إلى الارتقاء بالمرأة إلى مستوى الشريك كامل الحقوق ليتم في الأخير إضفاء الصبغة الدستورية على مبادئ مجلة الأحوال الشخصية من خلال الإصلاح الدستوري لسنة 2002 حينما أوجبت الفقرة الثالثة من الفصل الثامن على الأحزاب أن تحترم "المبادئ المتعلقة بالأحوال الشخصية".

وحظيت الطفولة بعناية فائقة وحماية دائمة خاصة بعد أن تم ضبط الإطار القانوني الملائم بدخول اتفاقية حقوق الطفل حيّز التنفيذ بتاريخ 11 جانفي 1996 فضلا عن إجراءات أخرى من أهمها مصادقة تونس في جانفي 2000 على "اتفاقية العمل الدولية رقم 182 بشأن أسوإ أشكال عمل الأطفال"، وإصدار قانون يتعلّق بإسناد لقب عائلي للأطفال مجهولي النسب.

واتجهت عناية القيادة السياسية في تونس إلى الأسرة وخاصة الأسر التي تشكو صعوبات حتى تتمكن من أداء دورها، في تربية النشئ على الوجه الأكمل. وقد كان صندوق التضامن الوطني خير سند لهذه العائلات حيث انتفعت بخدماته أكثر من 228 ألف أسرة في مجالات السكن والخدمات الصحية والتربوية والاجتماعية وفي ميدان التشغيل.

وتأكيدا لهذا المنحى الإنساني النبيل للجمهورية في المقاربة التونسية واستلهاما من رصيدنا الثقافي والحضاري العربي الإسلامي تمّ التنصيص لأوّل مرّة في الدستور على أنّ الدّولة والمجتمع على حدّ سواء " يعملان على ترسيخ قيم التضامن والتّآزر والتّسامح بين الأفراد والفئات والأجيال" وهي قيم مثلت منذ التحول ركنا من أركان السياسة الاجتماعية في تونس ومرجعية ثابتة في فكر الرئيس بن علي.

وقد عكس الإصلاح الدستوري لسنة 2002 المقاربة الفريدة التي اعتمدتها تونس في مجال الجمهورية وحقوق الإنسان التي جعلها الدّستور، بصريح نصّ الفقرة الأولى من فصله الخامس، تتميّز بالشمولية والتّكامل والكونية وتمثّل منظومة متناسقة من مختلف أجيال حقوق الإنسان لا مفاضلة فيها لجيل على جيل، منظومة كونية وليدة إرث الإنسانية جمعاء.

وهي مقاربة من شأنها الدفع في اتجاه بناء تونس الغد التي حدّد معالمها وأهدافها البرنامج الانتخابي "2004-2009". والمؤكد أن هذا التمشي سيدعّم الجدلية القائمة بين منظومة حقوق الإنسان والبناء الجمهوري وذلك بتعزيز كل مقومات وشروط الكرامة للمواطن وتوحيد جميع المكونات المجتمعية والقوى السياسية الحية حول مشروع التغيير. فالمواطن بانخراطه في المجتمع المدني والسياسي ينخرط ضمن فضاء المواطنة بمفهومه الواسع ويشارك بدوره في حماية وتدعيم مكاسب الحداثة والجمهورية.