50سنة من الجمهورية : جمهورية الأمس واليوم... جمهورية الغد
يرقى احتفال تونس هذه السنة بالذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية إلى مرتبة العلامة الفارقة في تاريخ البلاد السياسي المعاصر وإلى منزلة المنعرج الحاسم في مسار البناء والتحديث الذي انخرطت فيه تونس في سياق مسعى إرادي جماعي استهدف بالأمس كما اليوم تثبيت مقومات الحرية والسيادة واللإستقلال وترسيخ أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان .
وتكتسب هذه الذكرى البارزة في مسيرة البناء الوطني كل معانيها ومدلولاتها مما تحيل إليه من أبعاد جليلة على صلة وثيقة بثمرة نضالات أجيال متتالية من الشعب التونسي من أجل التخلص من براثن الوصاية ونير الإستبداد وحيازة أسباب المناعة والسيادة وتوطيد مقومات الكرامة فرديا وجماعيا .
وقد سجلت العقود الخمسة التي مضت على الإستقلال وعلى إعلان النظام الجمهوري محطات مفصلية هامة منبثقة عن موروث الحركة الإصلاحية الوطنية لعل أبرزها على الإطلاق مبادرة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة أشهرا قليلة بعد الاستقلال وتحديدا يوم 13 أوت 1956 إلى إصدار مجلة الأحوال الشخصية التي مثلت منعرجا حاسما في مسار التحديث الإجتماعي اكتمل أقل من عام بعد ذلك على الصعيد السياسي والمؤسساتي بوضع حد للنظام الملكي وإعلان الجمهورية نظاما سياسيا لتونس المستقلة .
وقد شكل النظام الجمهوري كمرجعية فلسفية وسياسية الوعاء الجامع الذي انبنت عليه الإصلاحات التي شهدتها تونس على مدار العشريات اللاحقة ومن علاماتها المتوهجة إصدار الدستور التونسي في غرة جوان 1959 وإقرار جملة من التشريعات المرجعية التي ما فتئت أبعادها التحررية تتعزز باطراد سيما مع التعديلات والتنقيحات الجذرية التي شهدتها هذه النصوص بعد تغيير السابع من نوفمبر .
ويتيح تقييم تجربة العقود الماضية في هذا المجال تبين حجم الإنجازات الوطنية على صعيد التحديث السياسي والذي يتجلى خاصة من خلال توفق قيادة البلاد في كنف الوفاء لتضحيات الشهداء والإنصات المرهف لمطامح التونسيين والتونسيات إلى إرساء قاعدة متينة لنظام سياسي منخرط في روح العصر من حيث إقامة مؤسسات الجمهورية وإثراؤها المستمر تبعا لمتطلبات كل مرحلة من التطور المجتمعي والتقدم الإقتصادى وتكريس علوية نص الدستور وترسيخ الخيار الديمقراطي التعددي والإلتزام بأمهات النصوص الكونية الضامنة لحقوق الإنسان وللحريات الفردية والجماعية نصا وممارسة .
وفي سياق هذا الوفاء وتواصلا مع خصوصيات المنهج التحديثي لدولة الإستقلال عمل الرئيس زين العابدين بن علي على صيانة النظام الجمهوري ودعم مؤسساته وهو ما تجلى خاصة من خلال الإصلاحات السياسية المتلاحقة التي سجلتها تونس على مدى العقدين الماضيين والتي كرست الإرادة القوية في الحفاظ على قيم الجمهورية ومن أبرزها إرساء دولة القانون والمؤسسات وتعزيز التجربة الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وفسح مجالات المبادرة والمشاركة في الشأن العام أمام مختلف القوى الحية بالبلاد .
وتبرز مكانة النظام الجمهوري ومبادئه وقيمه في عهد التغيير من خلال مقولة للرئيس زين العابدين بن علي ضمنها خطابه بمناسبة الاحتفال بالذكرى 47 لإعلان الجمهورية في 25 جويلية 2004 والتي جاء فيها "لما كانت قيم الجمهورية جزءا لا يتجزأ من تراثنا الثقافي ومخزوننا الإصلاحي فقد اتخذنا منها مرجعا لخياراتنا وبرامجنا نستلهم منه أقوم المسالك التي أشاعها في مجتمعنا الرواد من المفكرين والزعماء في المجالات السياسية والإجتماعية وفي ميادين التعليم وتحرير المراة خاصة والأخذ بأسباب التقدم والمناعة عامة ."
وفي سياق السعي الثابت لصيانة أسس النظام الجمهوري بادر رئيس الدولة منذ التحول إلى تنقية الدستور التونسي من الشوائب التي علقت به في فترات معينة من تاريخ البلاد المعاصر بان أقر تعديلات الغت الفصل الذي ينص على الرئاسة مدى الحياة وعمل على تكريس استقلالية جهاز القضاء باعتباره من دعائم النظام الجمهوري .
وضمن نفس المسار تتنزل أيضا المبادرة الى إحداث المجلس الدستوري تأكيدا للإرادة السياسية في ضمان توافق كل النصوص القانونية والتشريعية سيما الأساسية منها مع منطوق نص الدستور وروحه وفلسفته باعتباره المرجعية العليا الضامنة للحقوق والحريات والمكرسة لخيار الوفاق السياسي والعدل الإجتماعي .
ونجد أصداء هذه الإرادة في خطاب رئيس الدولة في ذكرى الجمهورية يوم 25 جويلية 2004 والذي أكد فيه انه سعى دوما إلى أن تعكس الإصلاحات في سائر الميادين (صورة تونس الحديثة بكل ما تحقق فيها من انجازات ومكاسب تعمق وعي التونسيين والتونسيات بالحقوق التي يمارسونها وبالواجبات التي يتحملونها في كنف الحوار والوفاق والتضامن ) مشددا على ما يحدوه من عزم على المضي قدما في "تعزيز قيم الجمهورية بكل ما ترمز إليه من معاني المواطنة والسلوكيات الحضارية والسياسية الراقية وحب الوطن والتفاني في خدمته والرفع من شانه ".
كما برزت إرادة التطوير والتحديث كأحد ثوابت المشروع الحضاري لتغيير السابع من نوفمبر من خلال إصدار جملة من النصوص القانونية منها خاصة قانون الأحزاب 3 ماي 1988 والتعديلات الخمسة التي أدخلت على مجلة الصحافة وتطوير مجلة الأحوال الشخصية في اتجاه تعزيز حقوق المرأة ومكاسبها .
ولئن تواترت بعد التغيير الإصلاحات السياسية الهادفة إلى تعزيز أركان دولة القانون والمؤسسات فان الإصلاح الدستوري الجوهري الذي عرض على استفتاء شعبي في ماي 2002 شكل إضافة حاسمة على طريق الإصلاح والإستشراف والتأسيس لجمهورية الغد إذ نصت أحكامه الجديدة على إعادة تنظيم المجلس الدستوري في تركيبته ومشمولاته بما عزز استقلالية أعضائه وعلى فتح مجالات أرحب للمشاركة وتمثيل الشعب ودعم المؤسسات التشريعية الوطنية بأحداث مجلس المستشارين (غرفة برلمانية ثانية إلى جانب مجلس النواب) وتعديل نظام الإنتخابات الرئاسية باتجاه تكريس خيار التعددية على هذا المستوى علاوة على إدراج مبادئ حقوق الإنسان والتضامن والولاء للوطن في نص الدستور تشديدا على إلزامية احترامها من قبل الجميع .
وإن تقييم حصيلة المد الإصلاحي الذي شهدته البلاد سيما خلال العقدين الأخيرين على درب دعم مقومات الإستقلال وترسيخ مبادىء النظام الجمهوري ليفضي إلى الإقرار بان الحصيلة كانت وفيرة غزيرة بما يستجيب لتطلع الشعب التونسي الدائم بجميع شرائحه إلى مستويات أعلى من التطور اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وهو تطلع يجد كل مشروعيته في رصيد البلاد المشرف من الإنجازات في كل المجالات ...
وهي انجازات ما فتئت تحوز كبير التقدير ووافر الإكبار في المحافل الإقليمية والدولية وصلب تقارير المؤسسات والأجهزة الأممية المتخصصة على أصعدة التنمية البشرية والتنافسية الإقتصادية ودعم مقومات الحكم الرشيد .
هذه المراتب والمؤشرات المشرفة من حيث النماء الإقتصادي والاستقرار السياسي والسلم الإجتماعية تبرز اليوم في تفاصيل الخطاب السياسي للنخبة التونسية وفي ثنايا التخطيط التنموي الوطني لا باعتبارها من دواعي الركون إلى ماهو كائن أو الرضا عن الذات بل من مقومات الحفز على المضي ابعد فابعد في عملية الإصلاح والتحديث ترسيخا لمرتكزات النظام الجمهوري وتوطينا لخيار الديمقراطية وإثراء لرصيد المنجز التنموي ودعما لمقومات إشعاع تونس كبلد للاعتدال والوسطية والتسامح بلد جعل من الرهان على المستقبل...خيار الأمس واليوم...والغد .