الإصلاحات الدستورية دعامة لقيم الجمهورية
23/07/2007
مهد النهج الإصلاحي الذي رسم معالمه الرئيس زين العابدين بن علي منذ تحول السابع من نوفمبر الطريق لتونس لتقتحم مرحلة جديدة على درب ترسيخ دولة القانون والمؤسسات وتعزيز قيم الجمهورية ودعم منظومة حقوق الإنسان وصيانة الحريات العامة وتفعيل دور المجتمع المدني بما أتاح توطيد ركائز جمهورية الغد في ظل تلازم متين بين البعدين الإجتماعي والإقتصادي لمسيرة التنمية الوطنية .
وتجسدت الإصلاحات السياسية العميقة التي عرفتها تونس بالخصوص من خلال التعديلات المتلاحقة التي شملت دستور أول جوان 1959 بوصفه رمزا للسيادة الوطنية ولإستقلال القرار والحفاظ على دعائم النظام الجمهوري ومبادئه القائمة على رفض التوارث في السلطة ودعم سيادة الشعب وتشريكه في أخذ القرار إلى جانب ضمان حقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات .
وأقر أول تعديل للدستور بعد تحول السابع من نوفمبر في 25 جويلية 1988 حذف الرئاسة مدى الحياة وإلغاء الخلافة الآلية. ثم تلاه تعديل 06 نوفمبر 1995 المتعلق بإدراج المجلس الدستوري نص الدستور بعد أن تم تركيزه في 16 ديسمبر 1987 كأحد المكونات الأساسية لضمان احترام مقومات النظام الجمهوري من خلال التعهد بوظيفة رقابة دستورية القوانين تكريسا لعلوية القانون واحتراما لسيادة الشعب .
ويعد تعديل 27 أكتوبر 1997 من التعديلات الهامة التي شهدها دستور البلاد حيث جاء تجسيما لما أعلنه رئيس الدولة في خطابه يوم 28 ديسمبر 1996 في جلسة ممتازة لمجلس النواب من مزيد دفع المسار الديمقراطي وتدعيم المؤسسات الدستورية وتكريس دور الأحزاب وترسيخ مكانة المرأة والشباب في المسيرة الإصلاحية لتونس .
وتم بمقتضى هذا التعديل بالخصوص توسيع مجال الإستفتاء في الميدان الدستوري والتشريعي وفي المسائل التي تتصل بالمصلحة العليا للبلاد وتكريس مبدإ التعددية من خلال تحديد مهام الأحزاب السياسية وتنظيمها على أسس ديمقراطية والتأكيد على صيانة المكاسب الحضارية لتونس فضلا عن دعم منزلة الشباب من خلال خفض سن الترشح لعضوية مجلس النواب من خمس وعشرين سنة إلى ثلاث وعشرين سنة ومنح حق الترشح للمواطن سواء كان من أب تونسي أو من أم تونسية تكريسا للمساواة الفعلية بين المرأة والرجل .
وضمن التعديل الدستوري لسنة 1999 من جانبه التنافس في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية من خلال فتح الباب أمام الأمناء العامين للأحزاب للترشح تكريسا للتعديدية وتعزيزا لدور الأحزاب في تجسيم حق المواطنين في المشاركة في الحياة السياسية .
لقد هيأت الإصلاحات الدستورية المتتالية الأرضية للكشف عن ملامح جمهورية الغد فأعلن الرئيس زين العابدين بن علي عن إصلاح هام يعد تونس دستوريا لمرحلة قادمة حيث مثل تعديل 01 جوان 2002 الذي حظي بإجماع الشعب في أول استفتاء عام في تاريخ تونس يوم 26 ماي 2002 منعرجا حاسما باتجاه تعزيز مقومات تونس الغد وبناء جمهورية المستقبل .
وكرس هذا الإصلاح الدستوري الجوهري مفهوم التجديد الجمهوري حيث شمل 38 فصلا اي ما يقارب نصف فصول الدستور تتصل بالأبواب المتعلقة بالأحكام العامة والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والجماعات المحلية والمجلس الدستوري .
وأقر الإصلاح الدستوري لسنة 2002 توسيع المشاركة السياسية وذلك بإحداث غرفة ثانية إلى جانب مجلس النواب ممثلة في مجلس المستشارين الذي أنشىء سنة 2005 ويضم مختلف مكونات المجتمع من أجراء وأعراف وفلاحين ويضمن تمثيلية الجهات بما عزز دور المنظمات المهنية ومكن من تشريك النخب المحلية في رسم الخيارات الوطنية .
أما في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية فقد جاء الإصلاح الدستوري ليقر بكونية حقوق الإنسان كما تضمنها ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومختلف المعاهدات الدولية ذات الصلة التي تتجه إلى الجميع دون ميز أو إقصاء مع الإقرار بان هذه الكونية لا تلغي الخصوصية التي تعني مناهج التطبيق وأشكال وآليات الحماية وأساليبها بما يتلائم مع مميزات كل مجتمع ويواكب تطوره .
كما أقر الإصلاح شمولية هذه الحقوق وضرورة عدم المفاضلة بينها انطلاقا من حرص رئيس الجمهورية على أهمية التكامل بين مختلف حقوق الإنسان المدنية والسياسية والحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والبيئية .
ويختزل الرئيس زين العابدين بن علي هذا المنهج في برنامجه لتونس الغد الذي يقول فيه أن إقامة مجتمع الحرية تبقى من أهم خياراتي ويشدد على أن ينعم كل فرد بممارسة فعلية لجميع حقوقه المدنية والسياسية وعلى أن يحفظ له المجتمع حقه في التربية والصحة والشغل والسكن وسائر الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية .
ومن بين تجليات إيمان تونس بكونية حقوق الإنسان وشموليتها وتمسكها الثابت بالقيم الإنسانية النبيلة والسامية المشاعة بين الشعوب المصادقة على جل الصكوك والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان على غرار إتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية والمهينة .
وتتويجا لصواب هذا النهج وتفرده مثلت سنة 2006 محطة جديدة في تأكيد إلتزام تونس الثابت باحترام حقوق الإنسان اذ تم انتخاب تونس عضوا في مجلس حقوق الإنسان لمنظمة الأمم المتحدة بجنيف وانتخاب كفاءة تونسية في لجنة حقوق اللإنسان التابعة للأمم المتحدة بنيويورك التي تتولى مسؤولية مراقبة التزام الدول الأعضاء في ما يتعلق بحقوق الإنسان والتأكد من تطبيقها لبنود المعاهدات الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية .
وقد أحرزت تونس باستحقاق هذا الموقع المرموق دوليا فهي الدولة العربية والإسلامية الوحيدة وثاني دولة افريقية تنتخب عضوا في لجنة حقوق الإنسان بنسبة كبيرة من الأصوات .
وأجمع المراقبون على اعتبار هذا الإمتياز اعترافا دوليا صريحا بالمنهج التونسي في مجال حماية حقوق الإنسان واحترامها والحرص على نشر ثقافتها .
وأن في تنزيل قيمة التسامح في الإصلاح الجوهري لسنة 2002 منزلة دستورية تكريسا لقيمة ثابتة من قيم التغيير واستجابة لحاجة دولية تفرض اليوم نفسها فالتآخي بين الشعوب والسلم بين المجتمعات والأمن الدولي بصفة عامة هو رهين ثقافة التسامح وقبول الرأي الآخر واحترام خصوصيات الشعوب فضلا عن نبذ الكراهية والتعصب علي أساس الدين والعرق والجنس والتصدي لكافة أشكال التفرقة المؤدية إلي التطرف .
لقد نجح الإصلاح الدستوري لسنة 2002 في تجسيم قيم التضامن والتآزر واقعا وتشريعا فأضاف بذلك حقوقا اجتماعية إلي الحقوق المدنية والسياسية المضمنة في الدستور مسايرا في تمشيه أحدث الإتجاهات الدستورية ومجسما لواقع يعيشه التونسييون يوميا في ما بينهم بفضل إنشاء آليات لتعزيز قيم التضامن ومقاومة رواسب الفقر والإقصاء والتهميش أهمها صندوق التضامن الوطني 26/26 الذي ارتقي أحداثه إلي مستوى دولي حين بادر الرئيس زين العابدين بن علي بالدعوة إلى إنشاء صندوق عالمي للتضامن تجسم بعثه فعليا على صعيد الأمم المتحدة .
كما دعم الإصلاح الجوهري واجب الولاء الكامل لتونس فأدرج هذا المبدأ في دستور جمهورية الغد إيمانا بان الدفاع عن حوزة الوطن والذود عن حرمته واجب مقدس علي كل مواطن .
وأن في تضمين الدستور لحقوق وحريات أساسية تعزز كرامة الفرد وتطور حقوقه وتكفل حماية المعطيات الشخصية والحرمة الجسدية كما أن في تكريس قيم سامية ونبيلة كقيم التضامن والتآزر والتسامح وإعلاء مكاسب حقوق الإنسان والمبادىء الكونية خير ضامن لاحترام هذه المكاسب واقعا وتشريعا إذ أن نص الدستور هو المرجع لجميع التشريعات المقبلة .
وتعد مختلف الإصلاحات السياسية الهامة التي شهدتها تونس علي مدى سنوات التغيير محطات مضيئة في تاريخها المعاصر وثمرة عمل دؤوب ومثابر تراكمت خلاله الانجازات والمكاسب التي مكنت البلاد من قطع خطوات شاسعة علي درب إرساء دولة القانون والمؤسسات وحماية حقوق الإنسان وفتح مجالات المبادرة والمشاركة أمام مختلف القوى الحية بالبلاد وهو مسار تدرجت فيه بخطوات ثابتة تراعي نسق تطور المجتمع وتعتمد علي التفاف الشعب التونسي حول مختلف الخيارات والبرامج الوطنية .